عرض مشاركة واحدة
  #64  
قديم 21st September 2014, 09:24 PM
الصورة الرمزية Elie Swed
Elie Swed Elie Swed غير متواجد حالياً
مدير عام و مشرف المنتدى الإداري
 
تاريخ التسجيل: Aug 2003
الدولة: zaidal
المشاركات: 1,391
الجنس: ذكر
Elie Swed is on a distinguished road
معكم أيها الأحباء ..

شكرا لكل من شاركني من الأصدقاء والأحبة صفحات من صباحاتك يا وطني ... اليوم أعود للكتابة بعد انقطاع الحلم ... فأبى قلمي أن يكتب إلا في : (( يعود شهيداً )) :

نظرة ٌمن عينيها تذهبُ إلى البعيد , تسرحُ في زمنٍ كان لها الماضي بحلوهِ ومرهِ , يومَها كان يبكي متألماً من خدشٍ أصابَ ركبته وهي منشغلة بأمورٍ حياتية يومية كـ العادة, ركضت إليه مذعورةً تلملمُ في طريقها هواجساً لعينة سببت له دموعَ الألمْ , ركضت حافية, لا تـلي بالاً لكّمْ الشوك الذي استغل نعومة القدم فدخل عنوة في بشرة تعودت رقي الأنوثة, ركضت لتضم إلى قلبها ذاكَ الباكي من طيشِ الكرة التي كانت سبباً لشكوىَ صغيرها, ورمته متعثراً على أرضٍ صلبة كما هي الرجولة, طالما كانت لأبيه جولاتٌ, وجولات فوقها على مرِ الزمن. فتعلم أن يصونَ تراباً لأرضٍ صانتها وتصونها الأجيال.

كبِرَ وأخوته بكل المحبة التي تحيطُ بهم ( أهل ـ أخوة ـ جيران ـ أصدقاء ـ ضيعة ـ مدينة ـ ومن ثم الأكبر هو الوطن ) .. تعلم أن يكون واحداً من الكثيرين الذين تباهوا بأنهم ولدوا في أرض الياسمين, أرض الحياة , أرضٌ كانت يوماً للحضارةِ عنوان , إلى أن أتاها المغول بِلبوسٍ جديد وحقدٍ دفين تحت مسمياتٍ مختـلفةٍ ومتنوعة, وباسم آلهٍ عاثوا بالأرض فساداً وإجراماً بما يتناسب وذاك الحقدُ اللعين الآتي من البعيد, وكان لأخوةٍ لنا ( تقاسمنا معهم المحبة ومرَّ الحياة وحلوها يوماً ) سبباً مباشراً في العناوين الكثيرة التي مرتْ بها بلدنا خلال أربع سنواتٍ عجاف لن ننسى مآسيها.

فكان لا بدَ من أولادِ الياسمين أن يلبّوا نداء الواجب لدحرِ جحافلَ المغولْ الآتية من كل حدب ٍوصوب مدججين ( من أهل النفاق في العالم ) بكل ما يلزم لأن يهدموا ما بناه الأولون بحججٍ واهية ومتنوعة مستفيدين من آلام وأخطاء ارتكبتها يدُ الفسادِ على مرّ التاريخ, ومن ضعف الانتماء الحقيقي ( للبعض منا ) لوطنٍ باتَ على مشارف النهاية لولا أولاد الياسمين, فكان لهم الدور الكبير في إعادة توجيه البوصلة من جديد إلى وجهة أسموها (( البقاء للوطن )), فكانوا عنواناً لرجولةٍ حقيقيةٍ بعيدة عن كل زيفٍ وتملقٍ وارتخاءٍ وخيانة.

إنه أحد أولاد الياسمين, ومن موقعه منذ سنتين ونيف لم يرى وجهَ الحنان الذي طالما تصبَّح به يوماً أثرْ يوم منذ أن كان صغيراً حتى الكبر, ( قوم يامو غسلّ وشك ولبوس تيابك, الترويقة جاهزة ... أو العروس ملفوفة يامو. لا تتأخر عن المدرسة, يلا حبيبي يلا ), أيام الحنان شبَّ عليها وأخوته فنهلَ العلومَ إلا أن تخرج حاملاً شهاداته العليا وأقرانه, يبتسم بشوق كلما تذكر أيامَه تـلك, كيف كانت وكيف أصبحت, المقارنات أصبحت كثيرة , ولكنه يتناسىَ اليوم, ليعيش الماضي, ويتذكر بأن عليه الاتصال لـُيطمئن ذاك القلب البعيد القريب.

في اتصاله تكلم كثيراً وبشوقٍ لأن يزورَ البيت, فكان موعوداً بإجازة طارئة غداً أو بعد غد, يرى فيها الوجهَ الذي لم يغبْ عنه يوماً برغم البعد والخطرُ اليومي الذي يعيشَهُ وأصحابه وأخوة التراب, ووعدها بأنه سيكون عندها قريباً. كلـمة أتـتـه ( لا تـتــأخر عليي يامو , برضايي عليك لا تتأخر .. ), انقطع الاتصال .. ودارت في موقعه رحى الحرب ....؟؟!!

وانتظرت الغد الموعود وهي أمام النافذة .. تَسبِرُ بنظرها الطريق من البعيد .. من حيث سيأتي ( لقد وعدها بأنه آتٍ ), سيأتي, نعم سيأتي, هكذا انتظرت يوم الغد .. واليوم التالي .. ويوماً آخر .. وهي تراقبُ الطريقَ من نافذةٍ يطوّقها الياسمين من كل جانب, نعم الآتي!!, يحبُ الياسمين, نظرتْ .. دقـقـتْ .. أمعنتْ .. وأطالتْ .. نعم لقد أتىَ .. إنه هناك في تـلك السيارتين, ركضت وأولادها وزوجها أمام الباب .. ليضموا إلى حناياهم الضيف الجميل ..

نظرت إليهم ينزلون واحداً وراء آخر .. أين هو .. أين ابني الغالي .. ؟؟!!

أربعة منهم من أجمل شباب الوطن .. نظروا إليها .. إليهم .. والدمع يملئُ جفونهم المتعبة, يشيرون بتحية عسكرية ملأتها رجولة الأيام إلى مرقدِ رفيق سلاحهم .. أنه البطل .. نعم أنه هناك .. نعم أنه مسجى ويلفه علم الوطن .. عنوان التضحية والبقاء ... أسرعت إليهم واحتضنتهم واحداً .. واحداً .. وقبلت تلك الجباه الشامخة التي لا تعرف معنى الأنحناء كما ابنها في مكانه المسجى .. وقالت :

لا .. يا أمي ..لأ .. لا تبكو .. الدمعة ما بتـليق فيكن .. أنتو سياج الوطن .. أنتو لما يدب الصوت وينادي .. بتـلبو الندا .. أنتو لما الأرض تعطش بترووها بدمكن الغالي .. أنتو لما يموت الضمير بتحيوه من جديد .. أنتو لما البلد يخرب بتعمروه .. أنتو اللي كلكن معو.. ولادي .. وبقلكن أنو ما كذب عليي .. قلي بدو يجي .. وصدق بوعدو وأجا, أهلا يا بنيي .. أهلا يا نور عينيي .. عاد ولكنه يعود شهيداً ....... إلى كل شهيد في بلدي : بتضحياتكم نحن نحيا الوطن ... شكراً لكم ستبقى دمائكم التي روت أرضنا الطيبة عنوان الحياة.


( بقلمي : إيلي سويد | حبيب العمر )

__________________
الأرض التي تقع عليها متـألماً

عليها تتكئ وتقف من جديد

Sponsored Links