عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 15th February 2006, 02:55 AM
a_aroush a_aroush غير متواجد حالياً
مشرف سابق  
تاريخ التسجيل: Aug 2003
الدولة: united states of America
المشاركات: 886
الجنس: ذكر
a_aroush is on a distinguished road
الجزء الثاني

ثم في عام 1859 م ثلاث سنوات فقط بعد اكتشاف هذه العظام , أخذ ذلك الاقتراح يتدعّم بشكل مفاجىء.

أصدر العالم تشارلز داروين عمله المشهور .. The origin of species .. أو أصل الكائنات ... لقد اقترح أن كل الكائنات الحيّة قد جاءت من كائنات بدائيّة بسيطة التركيب و ذلك بتطوّرها بشكل متسلسل , و إذا كان هذا صحيح لكل كائن حي على الأرض فيجب أن يشمل الإنسان أيضاً .
يظن الجميع أن العالم قد أعطى اهتمام كبير إلى ذلك الكتاب في ذلك الوقت , على العكس لم يكن أحد ليهتم إذا ما كان الحيوان البرمائي قد انحدر من سمكة , أو غيره . السؤال الأكبر كان من أين أتينا نحن البشر , هذا كان اهتمام العلماء في ذلك الوقت ,و صمموا أن يعطونا جواب , و أي جواب اعطونا إياه !!!.
إذا كان الإنسان قد تطوّر من شكل بدائي بسيط , فإن الورطة التي سيقع فيها عقل علميّ بديهيّة و مزعجة و مقلقة أيضاً ... فالبشر لا يمكن أن يكونوا قد انحدروا سوى من القرود , الأثر الذي سيتركه اقتراح مثل هذا سيكون عميق جدّاً , كثيرين توقّعوا أن نظريّة التطوّر هذه ستجعلهم على الأقل أكثر من حيوان بقليل .


لقد ابتعد تشارلز داروين عن الإجابة على هذا التساؤل و قال إنه سؤال مثير للجدل كثيراً و سأترك جوابه للعلماء الشباب القادمين ليجدوا له جواب .

بإلهام من عظام النياندورثال أصبحت نظريّة تطوّر الكائنات هذه أكثر المواضيع شهرة في تلك الأيام , و لكنها لن تكون أكثر من نظريّة بدون دلائل و براهين جديدة , و فجأة ً تحوّل اهتمام العلماء لسلف يمكنه أن يربطنا بالقرود .... ( رجل قرد ) .. ( Ape Man) .. الحلقة المفقودة ..(the missing link)...و سيذهبوا إلى آخر الأرض ليبحثوا عنها .

في أواخر القرن التاسع عشر أصبح ما يشغل بال العلماء هو الحلقة المفقودة تلك , و كان العالم يوهان فولراد قد ظنّ أن النياندورثال هو نقطة الوصل تلك .
عندما ظهرت عظام النياندورثال كانت واعدة كثيراً بأنها هي نقطة الوصل تلك , و لكن بعد تفحّص دقيق أخذت الفكرة تتداثر فهم يبدون أقرب للإنسان المعاصر منه إلى القرد . لو عدنا في التاريخ فإن هذا المخلوق يعود إلى 3000 جيل وراءنا أي من أربعين ألف سنة فقط لذلك للعثور على الحلقة المفقودة كان لا بدّ من أن نعود بالزمن أكثر لشيء يبدو أقرب إلى القرد منه إلى الإنسان , و لكن السؤال الأهم كان كم منه سيكون قرد و كم منه إنسان ؟.
لقد جاءت فكرة الحلقة المفقودة من نظرة بدائية لنظريّة التطوّر و هذا ليس غريب لأن الفكرة كانت في بداياتها في ذلك الحين , ففكروا أن ذلك الكائن كان إنسان و قرد بنفس الوقت , و يحمل ملامح و صفات من الكائنين , لم يكن هناك فكرة أن هذا التطوّر يمكن أن يأخذ مدّة طويلة جداً من الزمن و أن يكون ذلك التشابه خليط معقّد من الصفات المتشابهة , فكانوا إذا يبحثون عن كائن هو نصف إنسان و نصف قرد .
و لكن أين يمكن أن يجدوا تلك الدلائل و الإثباتات على وجود كائن مثل هذا , في ذلك الحين كان التفكير أن المكان الأكثر احتمالاً لوجود هذه الدلائل هو مكان يعيش فيه الإنسان البدائي و القرد جنباً إلى جنب , فتوجه البحث من أوروبا إلى جنوب شرق آسيا , في المستعمرة الهولندية جزيرة سوماترا في أندونيسيا , حيث أنها موطن للإنسان و القرد معاً .

أكتوبر 1889 ... لقد جاءت الرياح الموسمية على جزيرة سوماترا , و لا أحد يحتاج لأن يتعامل مع الغابات الكثيفة المداريّة فيها إلاّ إذا كان مضطرّاً لذلك .


منذ سنتين كان ليوجين دوبوا... Eugene DuBois .. مستقبل واعد في الطبّ في أمستردام , لكن اهتمامه العنيد بأصل الإنسان جعله يتبنى هذا التحدّي للعثور على الحلقة المفقودة , الآن و بعد أن ترك عمله و بيته في مجتمع أكثر تمدّناً , تحوّل الحلم الكبير إلى كابوس , لقد استثمر كلّ شيء يملكه في سبيل العثور على تلك الحلقة المفقودة , لم يكن دوبوا الشخص المناسب للعمل على الأرض , إذ لم يكن لديه خبرة و لم يعرف كيف يدرّب عماله و كيف يعتني بهم , فهم في الخارج تحت المطر في مكان مليء بالمخاطر , لقد عثر على كهوف كان يأمل أن يجد فيها المستحاثات التي يبحث عنها , و لكنهم لم يجدوها .
الآن مهندسيه توقّفوا عن الحفر و عماله منهم من مرض و منهم من هرب من العمل , و ليصبح الأمر أكثر سوءاً مرض دوبوا بالملاريا , نفس المرض الذي مات منه مهندسه الأول , و هو الآن على وشك أن يفقد كل صبره مع مهندسه الثاني الذي فقد عماله و لم يستقضي أجراً لشهور عديدة , و لكن هذا لم يعنيه لدوبوا بشيء , لقد أصبح فاقد للأمل لأن يجد شيء أو أن يصنع لنفسه اسماً معروفاً , إذ لم يعثر على شيء , لكن لولا أنه من الناس الذين يملكون صبر و إرادة قويّة و لو لم يكن ذلك الهدف يستحوذ على عقله و باله لكان قد ترك منذ فترة طويلة , لكن اتّضح له أن بحثه قد فشل فما كان منه إلا أن طرد مهندسه الأخير .
فترك المكان ليبحث في مكان آخر و لكنه لا يعرف أي مكان آخر للبحث سوى في إندونيسيا , و بعد سنتين بدأ بحثه مرّة أخرى و لكن هذه المرة في جزيرة Java .


أخيراً أخذ حظّه يتغيّر , فقد تعافى تماماً من الملاريا , كما و عثر على شيء يستحق النظر إليه , لقد عثر على مستحاثات لأسنان تبدو قديمة جداً و محيّرة , يبدو أنها تعود لأنواع من القرود .
الآن أصبح لديه مكان جديد للحفر , تعمل عليه و يهتم به الجيش الهولندي , و بين الحين و الآخر كانوا يجلبون له شيء يبدو لهم مثير للاهتمام , و في هذا اليوم في اكتوبر 1891 , إنه يوم لن ينساه دوبوا طوال عمره , اليوم عثروا على مستحاثّة لجمجمة , مثل سابقتها للنياندورثال من أربعين سنة سابقة , فهي سقف جمجمة فقط , و أيضاً مثل سابقتها أوقعت مكتشفها في متاهة كبيرة من الشكوك .
الغابات المجاورة تحوي على انواع كثيرة من القرود و لكن هذه لا تبدو أنها ترجع لأي واحدة معروفة منها , إنها رقيقة جداً و تجوّف الدماغ كبير , و لكن أيضاً لا تبدو أنها جمجمة إنسان , فهل يمكن أن تكون واحدة من أسلاف الإنسان أقرب إلى أصلنا للقرود ؟ الشيء الوحيد الذي بمكن له أن يقارنها به هو جمجمة النياندورثال , و أول مستحاثة لتلك كان عمرها 40 الف سنة , ما لم يكن يعرفه دوبوا أن ما عثر عليه هو أقدم منها بعشرين مرّة , إذ كان عمرها يتراوح بين نصف مليون و مليون سنة , و هي بدائيّة أكثر بكثير من النياندورثال , و لكن هل هي أقرب لأن تكون الحلقة المفقودة ؟.
ظن دوبوا أن مفتاح الجواب على هذا السؤال هو حجم الدماغ , كان لديه مقياس رياضي دقيق ليحدّد به الحلقة المفقودة ( تجوّف الدماغ يجب أن يكون نصف حجمه عند الإنسان و مرتين من حجم الشامبانزي ) و لكنه عندما أخذ مقاييس الجمجمة التي عثر عليها , كان الحجم لا يتطابق مع هذه المقاييس , فهي أكبر من أن تكون في نقطة الوسط , لذلك فهي أكبر من أن تكون الإنسان الذي يشبه القرد الذي كان في مخيّلته .
كما و ظهرت أيضاً دلائل جديدة من نفس الموقع و التي زادت عنده الحيرة , إذ وجدوا مستحاثّة لعظمة ساق كاملة , شكلها كان يوحي أن صاحبها كان يمشي واقفاً على قدمين فقط مثل الانسان !!! .
لم يقدر دوبوا ان يغيّر شيء في هذه الدلائل , فغيّر المقياس الذي اتّبعه , و قرّر أن الحلقة المفقودة كان لا بدّ أنها تملك دماغ أقرب بالحجم إلى حجم دماغنا , و كان واثق جداً من الدلائل التي عثر عليها لدرجة أنه أعلن للحكومة الهولنديّة أنه قد عثر على الحلقة المفقودة , أطلق عليها اسم … Pithecanthropus erectus ... أو ( قرد يمشي باستقامة ) .



كان دوبوا يجهل أن ما عثر عليه هو أكثر الكائنات البشريّة نجاحاً مشت هذه الأرض على الإطلاق .

تابع الجزء القادم
.................................................. ..........................
__________________
there is no place like home
رد مع اقتباس

Sponsored Links