عرض مشاركة واحدة
  #10  
قديم 27th February 2006, 03:50 AM
a_aroush a_aroush غير متواجد حالياً
مشرف سابق  
تاريخ التسجيل: Aug 2003
الدولة: united states of America
المشاركات: 886
الجنس: ذكر
a_aroush is on a distinguished road
Australopithecus Africanus

كان Charles Darwin يظن أن مهد البشريّة كان في أفريقيا , لأنها منزلاً لكل أنواع القرود , و طالما أن أقرب أنواع القرود إلى الإنسان تعيش هناك الآن , فربما تكون حلقة الوصل بيننا مستلقية هناك أيضاً , و إذا كان ذلك صحيحاً فإن الدلائل في طريقها إلى الظهور عاجلاً أم آجلاً , و كل ما تحتاجه هو أحدّ يمكنه التعرّف عليها عندما تظهر .

وصل العالم الفيزيائي الأسترالي Raymond Dart البالغ 31 سنة من العمر إلى جنوب أفريقيا ليبدأ عمله في التدريس .

اليوم سيتزوّج صديقه و Dart هو الإشبين , بقي لهم نصف ساعة لتحضير أنفسهم هو و زوجته Dora , لكن تفكيره في مكان آخر , حيث كان يجمع المستحاثات في الشهور الأخيرة يرسلها له أصدقاؤه و طلاّبه , و قد جاءه خبر الأسبوع الماضي عن مستحاثّة مثيرة للاهتمام , وجدت في مقلع حجارة كلسيّة قريب , و قد وصلت الآن في القطار و أحضروها إلى بيته .

كان لديه واجبات للعرس بعد دقائق قليلة , و لكنه على وعد بمستحاثّة رائعة و من الصعب جدّاً أن يتجاهلها , فذهب لينظر إليها و أول شيء وجده هو قطع صغيرة من العظام , أشياء رأاها كثيراً , ثم رأى شيء لم يكن ليحلم برؤيته بتاتاً ... إنه دماغ , و للتحديد : الفراغ الذي كان يشغله الدماغ , الآن ممتلىء برمال متحجّرة .


لقد عرف من أول نظرة أن دماغ القرد هذا الذي بين يديه هو دماغ غير طبيعي , إنه قالب دماغ أكبر بثلاث مرات من دماغ أي بابون , و أكبر بشكل مدروس وواضح من دماغ الشامبانزي , لكنّه ليس كبير كفاية لإنسان بدائيّ , فدماغ من هذا ؟.

نظر دارت في الصندوق ليرى لو كان هناك أي شيء آخر من نفس المخلوق , فوجد قطعة صخرية و عليها معالم فكّ علويّ , و خلفه كان تجوّف دائريّ , و لمّا طابق الدماغ مع هذا الفراغ وجد أنه ملائم تماماً , فاتّضح له أنه الآن يملك كل من دماغ و جمجمة إنسان قرد غير معروف حتى الآن .


لكن الوجه كان مطمورٌ داخل الصّخرة , و لا قدرة له لأن يكشف عنه الآن , لكن عرف Dart أن سنتيمترات قليلة من الصخر فقط تفصله الآن عن اكتشاف هام و خطير .

لقد وصلت مستحاثّة الإنسان القرد هذه ل Raymond و هو يأمل الآن أن تكون هي الحلقة المفقودة , لكنها مطمورة داخل كتلة من الصخر القاسية , و ستسغرق معه سبعة أسابيع لأن يظهر هويّتها , سوف تكون هذه أول مستحاثة لأي من أسلاف البشر وجدت في أفريقيا , و هي أيضاً أقدم واحدة اكتشفت حتى الآن .

جاءت اللحظة الحاسمة في ليلة عيد الميلاد سنة 1924 م , ما ظهر أولاً هو أسنانه صغيرة و دقيقة مثل أسنان طفل , ثم ظهر الخط الخارجي للجمجمة و هو أقرب ما يكون إلى القرد , و بعد أن كشف عنها أخيراً اتّضح له أنه قد وجد شيء فوق العادة , خليط من ملامح إنسان و قرد لم يراها أحد من قبل , بوجه طفل .

لقد وجدت المستحاثّة في مقلع صخور كلسية في بلدة اسمها Taung فسماه Taung child الاسم العلميّ لها Australopithecus Africanus القرد الجنوبي لأفريقيا .



و هو يعود في الزمن أقدم من ال Neanderthal البالغ من القدم أربعين الف سنة , و أقدم من Homo Erectus اكثر من نصف مليون سنة , Piltdown كان يفترض أن عمره مليون سنة , لكن Taung يبلغ عمره أكثر من 2 مليون سنة , و إذا كانت هذه المستحاثة هي الحلقة المفقودة , فإن هذه الحلقة هي أقرب إلى القرد أكثر مما كان يتوقّعه أحد , و هي تثبت لأوّل مرّة أيضاً أن أسلافنا قد جاؤوا من أفريقيا حتماً .

هذه جنوب أفريقيا منذ مليوني سنة , عالم ال Taung child , و تماماً كما هي السافانا اليوم , الطعام قليل و نادر و صعب التقاطه , و هذه أم Taung .


بطول لا يزيد عن الثلاث أقدام , و بوزن يقارب السبعين باوند , إنها ليست بصيادة لكنها تكمّل نظام غذائها من بقايا الفرائس التي تتركها الحيوانات المفترسة , مثل الشامبانزي حالياً تستعمل الحجارة لتكسر العظام و تأكل النخاع الغني بالبروتين .


لكن الحيوانات المفترسة المدينة لهم بهذا الغداء , لم يكونوا يوماً بعيدين كالأسود و الضباع الضخمة و كثير من الحيوانات المفترسة التي لا نراها اليوم , حيوانات خطيرة جداً , و كلها يمكن أن تأكل أو تطارد ال Taung child أو أمه .

بينما كانت منهمكة ببقايا الفريسة التي تركتها الحيوانات المفترسة , تركت ابنها في مكان آمن تحت ظل شجرة , يبلغ من العمر ثلاث سنوات و هو بحجم طفل يبلغ من العمر 18 شهر الآن , و هو لا يملك أي حماية بعيد عن أمه , لكن أمه تراقبه كما تفعل أي أم .

ليس هناك شك أنهم كانوا يهتموا بأبنائهم , تماماً كما هو الشمبانزي الآن , من أكثر الحيوانات اهتماماً بأبنائهم , لكن المشكلة أن هذا الطفل الآن هو بعمر كافي و قوة كافية لأن يترك أمه لفترات من الزمن , و الأم لم تدرك الآن أن ابنها قد مشى بعيداً حتى تأخر الوقت .
ليس هناك إشارات أو رائحة لأي حيوان مفترس , لكن الحيوانات المفترسة هذه لا تكمن على الأرض فقط , هناك خطر أيضاً من النسور ( إذ حتى هذا الوقت هناك حوادث مسجّلة لنسور تأخذ أطفال في كينيا بعمر حتى الست سنوات , فللنسر مخالب قويّة و قدرة على الحمل و الطيران بنسبة رفع أعلى من تلك عند الطائرات المحاربة ) لم يدرك الطفل أن هناك نسر فوقه , أما الأم فقد رأت الطفل و النسر بنفس الوقت , لكنها لم تقدر الوصول إلى ابنها بسرعة كافية .

لقد وجدت جمجمة ال Taung child مع قشور بيض و جماجم حيوانات أخرى , على نمط الرواسب الموجودة تحت أعشاش النسور , فكثير من العظام كانت تظهر عليها علامات على شكل حرف V تركها منقار النسر الذي كان ينقر العظام ليصل إلى داخل الجمجمة و يأكل جزأه المفضل و الغني بالبروتين و هو الدماغ .

قرّر Raymond Dart أنّ هذا الحيوان الضعيف هو الحلقة المفقودة .

هذا هو يوم عيد الحب سنة 1925 م بعد شهرين من اكتشاف حقيقة Taung child من الصخرة , قبل أسبوع نشر Raymond جريدة علميّة ادّعى فيها أن Taung child هو الحلقة المفقودة , مثيراّ بذلك عاصفة من الخلاف و الجدل . و الآن سيرسلها إلى لندن .

ظن Dart أنه قد وجد الحلقة المفقودة , و لكن هناك أيضاً ال Piltdown Man و الذي ظنّ العلماء أنه هو الحلقة المفقودة .

كان يتوقّع العلماء أن نمو الدماغ هو الذي دفع التطوّر البشري , و Piltdown كان لديه دماغ كبير و فك أسنان قريبة لأسنان القرد , أما Taung فكان على العكس إذ لديه دماغ صغير و أسنان شبيهة بأسنان الإنسان , و كان لديه خليط كبير من الملامح الأخرى تجعله مختلف تماماً , فهو أقرب لأن يكون قرد إنسان من أن يكون إنسان قرد , خليط كبير من الملامح لم يراه العالم من قبل , و لم يكونوا متهيئين له .

أكبر المختصّين في هذا المجال تبنّوا Piltdown , و أي صوت معارض كان ينهك من مدى السّلطة لهؤلاء الناس , و منشورة Dart تتعارض بشكل مباشر مع المؤسّسة العلميّة , و قد أرسلها إلى لندن ليطّلع عليها المختصّين , نفس المختصين الذين تتعارض وجهة نظره معهم , فصرفوا النظر عنها نهائياً و رفضوها لأنهم كانوا يراهنون على الحصان الآخر .

كان لديه مؤيّد واحد في صراعه على الشهرة الدكتور Robert Broom , مثل دارت باحث مستحاثات غير معروف , و قد جلب له الردّ الآن من لندن على رسالته , لقد وضعوا Taung في فصيلة من فصائل الغوريلا لأن الدماغ صغير جداً فلا يمكن أن يكون من أسلاف البشر .

استاء Dart من ذلك الردّ , فكيف لهم أن يدّعوا أن دماغ الإنسان يجب أن يكون بحجم معيّن , كيف لهم أن يدّعوا أن هناك مقياس معيّن لحجم دماغ الإنسان البدائي !؟ . لقد صفّ العلماء ليدينو مستحاثة لم يروها في حياتهم !.

ما الذي سار غلط لريمون دارت ؟ ... الرجل الخطأ – المكان الخطأ – و الشيء الخطأ .

_الرجل الخطأ لأنه أوسترالي و ليس جزءاً من تلك المؤسّسة .

_المكان الخطأ .. جنوب أفريقيا ! الكل كان يتوقّع آسيا أو أوروبا .

_ إنها الشيء الخطأ فهو يطلق عليها اسم قرد , الجميع كان يظن أنها قرد و إذا كانت قرد فأين مكانها في القصّة .

لقد وجد Raymond Dart أروع و أعظم اكتشاف في القرن العشرين , لكن المؤسسة العلميّة تصرف النّظر عنها و تضعها في صناديق و تهملها لأكثر من 25 سنة .

في العشرينات و الثلاثينات من القرن العشرين , أكثر الكتب قراءة عن أصول البشر لم تلمّح نهائيّاً لما وجده Dart , عمله لم يَدرّس في الجامعات , لقد عانى دارت الكثير , و وضعه العلماء في دائرة من التجاهل , و بقي كذلك حتى أواخر الأربعينات , عندما بدأت الآراء المربّطة تتغيّر ووجدوا أنه كان على صواب . لقد تطلّب الأمر ربع قرن من التنقيب في مقالع الصخور الكلسية و الكهوف في أفريقياً للحصول على الأدلّة الكافية التي احتاجها Dart . و في أواخر الأربعينات بعد دزينات من الاكتشافات المشابهة لاكتشافه , أخيراً أثبتت أنه على حق .

لكن ماذا حلّ بال Piltdown man لتشارلز دوسن ؟

بعد أربعين سنة من اكتشافه و اعتماده على أنه الحلقة المفقودة في تاريخ تطوّر البشريّة , وضع للفحص لأوّل مرّة , و لأول مرّة يظهر على حقيقته إذ لم يكن إلا خدعة دبرت بشكل منمّق , لقد سبب اكتشاف حقيقته لكثير من الخجل و الارتباك و الدهشة و أحياناً عدم التصديق , لم يصدقوا ان هذا الشيء كان مزوّر و ليس أصليّ .

لكن الدائرة العلميّة و العالميّة الواسعة و خصوصاً خارج بريطانيا كانت مرتاحة لهذا الاكتشاف , فالكثيرين كانوا يرون أن هناك شيء غريب و مشكك في أمر ال Piltdown man بالرّغم أنهم لم يضعوا يدهم عليه .

قرر العلماء في متحف تاريخ الطبيعة في لندن أن يقوموا بفحوصات كيميائيّة حديثة على مستحاثة ال Piltdown , و بمجرّد أنهم بدأوا بحفر عيّنة من عظم الفك لاحظوا أن هناك شيء غريب , هناك ما يشبه رائحة الجسد المحروق , و هذا لا يمكن أن يأتي إلا من عظام طبيعيّة و ليس من مستحاثّة , و هذا يعني أن عظمة الفك هذه لا يمكن أن تكون أقدم من بضعة آلاف من السنين , و بالفحص الدقيق تحت المجهر وجدوا أن هناك علامات حفر واضحة على الأسنان , فهي في الأصل لقرد معاصر حفرت بشكل تبدوا أقرب به إلى الإنسان , فاتّضح لهم أن كل هذه التركيبة من العظام الموسّخة لتبدو قديمة , ما كانت إلا اشياء مزوّرة .

لم يعرف من هو المزوّر , و لكن بموته ماتت معه فكرة قديمة , بأن الدّماغ الكبير هو العامل الذي يحدّد الحلقة المفقودة . إذاً شيء آخر يجب أن يأتي قبل الدماغ الكبير , فبدأت نظريّة جديدة تأخذ مكان النظرية القديمة : إن ما يحدّد بداية البشرية لم يكن نمو الدّماغ , ما كان يحدّدها هو بداية استعمال الأدوات .

في مكان ما في أفريقيا , يستلقي أول إنسان استعمل الأدوات , و في أواخر الخمسينات , كان هناك رجل في طريقه لاكتشافه .


و هذا هو موضوع بحث الجزء القادم
.
__________________
there is no place like home
رد مع اقتباس

Sponsored Links