عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 18th July 2014, 04:38 AM
ربى عبد الحي ربى عبد الحي غير متواجد حالياً
مشرفة منتدى مما قرأت
 
تاريخ التسجيل: Apr 2014
المشاركات: 108
الجنس: انثى
ربى عبد الحي is on a distinguished road
طائفيةُ الحب و الحرب


صَباحُ البقاء.

كعادتهِ ألقى على صورتِها المستلقية على وسادةٍ مُجاورة.... لم تَغفُ عليها يوماً .... تحيَّةَ الصّباح .

تحيّةٌ قررَّ مؤخراً أن يبدأَ بها صباحاتِهما بعدَ أن أصبحَ الخير الوحيد الذي يمكن أن ترجوهُ في وطنٍ يحتضرْ .. أن تتسارعَ ساعاتُ نهاركَ دونَ أن يضربَ لكَ الموتُ موعداً مع سيارةٍ مفخخةٍ ...أو يتصادفُ وجودكَ في تقاطعِ الخطِّ البياني لهطولِ قذيفة ...أو في طريقِ رصاصةٍ معصوبةَ العينينْ لأحدِ القنَّاصة .

أعدَّ كعادتهِ فجنانين من القهوة أحدُهما له .. وآخر ليشربهُ عنها .
و اعتذرَ من صورتها التي تحتلُّ المقعد المقابل على الطاولة لأنهُ سيضطرُّ اليومَ أيضاً لتغيرِ برنامجهما الفيروزيّ الصباحيّ ,
فمنذُ أن عادَ أخوه الحبيبْ إلى البيت جثّةً مشوًّهة وهو عاجزٌ عن الاستماعِ إلى أيِّ مقطعٍ موسيقي دونَ أن يجهشَ بالبكاء .

كانت صوَرَها تحتلُّ جميعَ زوايا البيت .. المطبخ .. غرفة النوم .. الحمام ...لا لرغبةٍ مِنهُ في استحضارِ ملامحها فقد كانَ يحفظُ ككفِ اليد تضاريسَ وجهِهَا .... شكلَ كلماتِ عينها ... انواعَ ابتساماتِها ... انحناءات خطوطِ العمرِ التي بَدأتْ تغزو جبينها ,

لكنهُ يستعيضُ عن غيابِ حضورِها ... بحضورِ صُورها ...علَّهُ ينجح في إقناعِ كلِّ ما في هذا البيتِ أنها سيدتهُ تماما كما هي سيدة قلبهِ .

لم يكن ليتوقع عندما تعلقت عينيهِ بتلكَ الشقراء الرائعة المندفعة في محاضرةٍ ثقافيةٍ لطلبةِ الجامعة عن الفكرِ العلمانيِّ المعاصر ... أنها ستكونُ يوماً فرحةَ العمرِ وشقاءَهُ .

سنتين وهو يختلق الصُدَف ليلقاها
وسنتين وهي تًختلق الأعذارَ لتتجنبها

على مشارفِ هروبٍ من لقاء.. تمكنَ أخيراً من إلقاءِ القبضِ على عينيها وطلبَ تبريراً لتجاهُلِها المُتعمدِ ليدهِ الممدودةِ بالصداقةِ منذ زمنٍ بعيد

على الصفحةِ الأولى لكتابٍ لازالَ يحتفظُ فيه على الرَّفِّ الأقربِ لقلبهِ خطَّت قبلَ أن تختفي في المحطةِ الاولى لرحلةٍ على وشكِ أن تطلقَ صفارةَ البدايةِ وصفاراتِ الخطر :

- الصداقةُ معكَ ربيعها الحبُّ .. و الحبُّ معكَ سَيثمرُ بالألم ... وعمرُ حبي أطولُ من أن أتحملَ عبءَ كلَّ هذا الوجع .

على الصفحةِ الأولى من كتابها في صباحِ اليومِ التالي خطَّ ليعلنَ حضورهُ الأبديَ في رحلةِ عمرها ومحطاتهِ :
- الصداقةُ معكِ فضاؤها الحبُّ... والحبُّ معكِ سيجنَّحُ بالخيالِ ... وعمري أقصرَ من أن أتحمل خسارةَ كل هذا الفرح .

أدركَ تماماً في بعد ما الذي عَنتهُ بكلماتِها وكم هو طويلٌ.. طويلْ.. عمرُ الوجعِ بين حبيبين وُلدا لطائفتين مختلفتين في مجتمعِ الهويةِ الطائفية .

لم يكن هذا الاختلاف يوماً محورَ حديثٍ بينهما أو نقاش ... فكلاهما بعيدٌ كل البعدِ عن التعصبِ أو الانتماء الضيق لطائفة ..
تنفسا الهواءَ ذاته ... وتشاركا الافكارَ ذاتها .. تسربتْ تحت مسماتِ جلدهِ فلم يعد ليدري أينَ يبتدأُ هو وأينَ هيَ تنتهي .... امرأةً استثنائيةً كانت .. فكل ما لامستهُ كان أيضا ً استثنائياً حتى حبهما ..

أرادها توأما ً للروحِ وشريكةً للعمرِ .. فكانت له عمراً من الوله ...... و سنيناً من الانتظار ...
على مجتمعٍ طائفيٍ حَرمهُ من دفءِ حُضورها الدَّائم ثارَ أحياناً ... وركلَ وصرخَ كطفلٍ ينوحُ غيابَ أمَّهِ أحياناً أخرى .

وعندما صرخَ بها بقهرِ رجلٍ اجتاحهُ الشوق و أعيَّتهُ الوحدة :
-كيفَ يمكنُ لامرأةٍ مثلكِ أن تخسرَ معركةَ حياتها من أجلِ من تحب، أشكُّ بأنَ ما يخفقُ في قلبكِ يعادلُ نصفَ ما يجتاحني .

بنظرةٍ عاتبةٍ ردت على صُراخَهُ واتِهامَهُ وحملت وَجعها وغابت .

عندما عادت بعدَ يومينِ كانت تحملُ صورةً جديدةً لها علقتها على حائطِ انتظاره و كتبت عليها قدرَ حبها القادم :
أنتَ روحُ القلبِ ... وأهلي نبضهُ الأول
لن اخونَ قلبي ... ولن أكونَ يوما ً لسواك
ولن أخونَ أهلي .....ولن أكونَ يوما ً لك .

ولأنها روحُ قلبهِ ونَبضهُ الأولَ و الأخير... لم يَخُنّها هو أيضاً... ولم يَكن يوماً لسواها .

عندما انهمرت سُحبُ الثورةِ السورية وانهمرت معها شعاراتُ الحريةِ والوطن ,
معاً يداً بيد نزلوا إلى الميدانِ وهتفوا عالياً .. عالياً .. لوطنِ العدالةِ والمساواةِ والشعبِ الواحد .

وعندما انهمرت سُيولُ الدماءِ السوريةِ وانهمرت معها عباراتُ الطائفيةِ والتخوينِ والتطرف ,
ارتدوا الخيبة .. وعادوا برفقتها من الميدان .

معاً تشاطَرا الوَّجعَ وهم يرثون العدالةَ والحرية ... ومعاً ذرفا الدموعَ .. وهم يدفنونَ رُفاتَ الشعبِ الواحد .

إلى أن اتْصلَ المَخفرُ بأهلهِ منذ خمسِ شهور للتعرفِ على جثةٍ بالكاد ميزوا أنها آدمية .. أتضحَ فيما بعد بأنها تخصُ أخاهُ الأصغر .
ذاكَ الشابُ الرائع المفعم بالمبادئ والنابض بالحياة .. كبيرةٌ جداً .. جداً .. كانت الفاجعة .

كثيرونَ قالوا أن الأمنَ بالتأكيدِ من قتلهُ كونه... ناشطٌ معارض .
وآخرونَ قالوا أن جهاتً متطرفةً بالتأكيد هي من قَتلتهُ كونه .... عِلمانيٌّ مُعارض.

أما الحقيقيةُ فحالها حالُ هذا البلدِ الغارقِ بالظلمة ضلَّت غائبةً أبداً .

اسودَّت الدنيا في عينهِ وفي قلبهِ أيضاً وعَلقَ قَهرهُ وفاجعتَهُ على شمَّاعةِ النظامِ أولاً وعليها ثانياً :

- لقد تغيَّرتِ . ...........صاحَ بقهر .
- لستُ أنا من تغيَّرتْ.... ولائي كانَ ولا زالَ أبداً للوطن .
- بل ولائكِ الآنَ لطائفتك نجحوا بجدارة بتضليلكِ واقناعكِ أنكم مهددون ..
كلَّ ما ناديتِ به عن التحررِ من عقدِ الطائفيةِ مجردُ وهمٍ وكذبة...
الآن فقط عرفت لماذا لم تحاربي يوماً من أجلِّي .

شهورٌ أربعٌ مَرت وهو يَختلقُ النقاشات لِيسوطها بغضبهِ وهي تَحبسُ الغصةَ والدمعةَ وتغذي الأملَ والوهمَ أن يتجاوزَ يوماً ما حُزنهُ وقَهرهُ و يعودَ إليها .

استفاقَ فجأةً من ذاكرتهِ الموجعة, و قررَ أن يحتسي قهوتهُ وهو يستمعُ إلى الأخبارِ المحليةِ , كم تمنى لو يستطيع أيضاً إعلانَ الاضرابِ عنها, لكنهُ أبى ألا يشاركَ وطنه ساعات احتضارهِ الأخيرة ولو كان ذلك بمجردِ الاستماعِ إلى مراسمِ التحضيرِ للجنازةِ الكبرى .

أمسكَ صورتها بيدٍ مرتعشة .... لوهلةٍ احسَ بأنها تنظر إليه وتعاتبه
ذاتِ النظرةِ الموجعةِ الحارقة التي ودعتهُ بها في لقائهما الأخير منذُ شهرٍ وخمسةِ أيام
زارتهُ يومها لتخبرهُ أن والديها قررا العودةَ للاستقرارِ في القرية نظراً لتردي الأوضاعِ الأمنيةِ في دمشق و وأنهم يضغطونَ عليها لنقلِّ وظيفتها إلى البلديةِ هناك .

ما أرادتهُ منهُ فقط أن يقولَ .. بأنها لازالت تلكَ الحبيبةُ التي كانتها دوماً ... لتختلقَ ألفَ حجةٍ وتضلَّ بقربهِ .
في عينيهِ بحثت طويلاً .... لكن ما من زوايا شاغرةٍ لطيفها ...فالألم والقهر تعرشا واستوطننا في كلِّ الأمكنة .

لبست معطفَ حزنها وحملت حقيبةَ خيبتها وأغلقت خلفها ذلك البابَ الذي شَهِدَ عمراً من احتراقاتهما شوقاً للقاءِ كما شهِّد يومها انطفاءَ رمادَ لقائهما الأخير .

لازالَ المذياعُ يعلنُ عن أخبارِ وفاةِ الوطن :
- أربعةُ قتلى برصاصِ قناصة على طريقِ حمص دمشق .
- انفجارُ سيارةٍ مفخخةٍ في حماة يوقعُ عشراتِ القتلى ويخلفُ أضراراً ماديةً كبيرة .
- هجومٌ مسلحٌ على بلديةِ قريةِ عين القمر يُسفر عن مقتلِ عددٍ كبيرٍ من الموظفين وإصاباتٌ خطرةٌ في صفوفِ آخرين .

بالكادِ استوعبَ ما سمعتهُ أذناهُ :
- لا ... لا ... ليس هي ... يا رب .

صرختْ روحهُ وجعاً ملأ الكون

سقطتْ صورتها من يدهِ .... و سقطَ خلفها باكيا.
رد مع اقتباس

Sponsored Links