عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 21st December 2014, 02:01 AM
ربى عبد الحي ربى عبد الحي غير متواجد حالياً
مشرفة منتدى مما قرأت
 
تاريخ التسجيل: Apr 2014
المشاركات: 108
الجنس: انثى
ربى عبد الحي is on a distinguished road
على دروبٍ غريبة


نسماتٌ خريفيةٌ باردةٌ تعصفُ في شوارعِ المدينة، وشعورٌ خانقٌ بالقلقِ والضّياعِ يعصفُ في صدرهِ.
أحكمَ إغلاقَ معطفهِ الشّتويِّ السّميك، وحثَّ خطاهُ وهوَ يواصلُ التّنقلَ بعينينٍ مضطربتين بينَ عناوينِ اللّوحاتِ الطّرقيةِ، وبينَ عقاربِ ساعتهِ الرّافضةِ لتوسلاتهِ بالتّوقفِ ولو قليلاً عن الدّورانِ.

حسناً... يكادُ يجزمُ الآنَ بأنّهُ اختارَ النّزولَ في المحطةِ الخاطئةِ، ويكادُ يجزمُ أيضاً بأنّهُ تأخرَ عن الموعدِ الّذي عبرَ منْ أجلهِ القاراتِ، بعدَ أنْ تمَّ اختيارهُ منْ بينِ جميعِ زملاءهِ ليمثّلَ شركتهُ فيهِ تمثيلاً مشرفاً.

"لستُ سوى أحمقٍ فاشلٍ "
في أعماقهِ تعالتْ أصداءُ ذاتِ الصّوتِ السّاخطِ الّذي نجحَ دوماً أنْ يجدَ سوطاً ليجلدهُ فيهِ حتّى في أجملِ لحظاتِ نجاحهِ، وفي ذاكرتهِ تعالتْ أصداءُ تحذيراتِ والديهِ:
"نحنُ عائلةٌ لا تقبلُ الفشلَ ولا ينتمي إليها الفاشلون"
يا الله كمْ كانَ شعارُ عائلتهِ مرعباً، وكمْ أتعبهُ أنْ يُمضيَّ حياتهُ لاهثاً خلفَ نجاحٍ فصّلهُ والديّهِ على قياسهما، وطالباهُ طوالَ عمرهِ أنْ يتطاولَ ويتمدّدَ ليتناسبَ معهُ، خوفاً منْ أنْ يطردَ بركلةِ فشلٍ خارجَ أبوابِ العائلةِ.

متقوقعاً على فشلهِ، ومنكمشاً خلفَ أزرارِ معطفهِ الشَّتويّ، ومحاطاً بالإحباطِ، تابعَ خطواتهِ في الشّوارعِ الباردةِ، على الرّصيفِ المقابلِ لمحَ زوجينِ في خريفِ العمرِ يسيرانِ متشابكا الأيدي والمصيرِ ومنْ عينيّهُما يشعُّ الدّفءُ فينثرُ حولَ خطواتهما ورداً ملوّنة.
"آه... مرام ... مرام ... كمْ وَددتُ أنْ أشيخَ معك"
لم تكدْ شفتاهُ تتمتمانِ بهذه الكلماتِ حتّى شعرَ بشيءٍ حارقٍ يضغطُ على إصبعِ يده اليمنى، فمنذُ أن أجبرهُ أهلهُ على التّخلّي عن " مرام " حبيبةُ عمرهِ ورفيقةُ دربهِ الدّراسيّ لاعتباراتٍ طائفيةٍ اجتماعيةٍ، وهو مصابٌ بعاهةٍ عاطفيةٍ جعلتهُ عاجزاً عن ملاحظةِ وجودِ النساءِ فتحوَّلَ كلُّ البشرِ فجأةً في نظرهِ لجنسِ واحد.
لكنهُ وأمامَ ضغوطاتِ الأهلِّ والأقاربِ والأصدقاءِ اضطرَّ إلى الارتباطِ ب "منى "، تلكَ الفتاةِ التي منحها الجميعُ بابتهاجٍ الموافقةَ للدخول ضمنَ أسوارِ العائلةِ، ومنحها هو باستسلامٍ الموافقةَ على الاتّكاءِ على أسوارِ عزلتهِ.
بحركةٍ لا شعوريّةٍ انتزعَ خاتمَ خطبتهُ، واخفاهُ في جيبِ معطفهِ، فما من أحدٍ في هذه المدينة يعرفهُ وما من شيءٍ ليخشاهً.
شعورٌ غريبٌ بالرّاحةِ والانعتاق انتشرَ فوراً كخدرٍ لذيذٍ، بدءاً من طرفِ إصبعهِ المتحرّرِ إلى كلِّ انحاءِ جسدهِ.

توقفَ بقربِ مجموعةٍ صغيرةٍ من العازفينْ، يرتدونَ معاطفَ خفيفةً ويفترشونَ رصيفَ أحدِ الجسورِ.
"غريبٌ أمرُ سكانِ هذهِ المدينةِ ألا يشعرونُ بالبردِ"
تشبثَ بمعطفهِ أكثرَ...
"كمْ أحسدهم، فهمْ على الأقلِ مستمتعونُ، وينشرونُ بموسيقاهمُ الفرحَ، وإن كانَ ذلكَ مقابلَ حفنةٍ صغيرةٍ منَ الأموالِ"

تلمَّسَ النَّايَ الجالبَ للحظِ الّذي اعتادَ أن يحملهُ معهُ أينما اتجهَ منذُ أن كانَ في الثّانيةِ عشرَ من عمرهِ وبعدَ أن أقنعَ راعي القرية بأن يمنحهُ النّايَ ويعلّمهُ العزفَ، مقابلَ أن ينوبَ عنهُ ببعضِ ساعاتِ الرّعيِ ... صفقةٌ سريّةٌ استغلّها الرّاعي يومها لأبعدِ الحدودِ، ووافقَ هو عليها بطيبِ خاطرٍ، فآخرُ شيءٍ كانَ يمكنُ أن يسمحَ بهِ والديهِ حينذاكَ أن يهدرَ وقتهُ في تعلمِ الموسيقا الّتي كانتْ ولازالتْ شغفهُ الأول.
توقفَ تماماً عن التّحديقِ المتوترِ بساعتهِ، فلم يعدْ ليدركَ كمْ منْ الوقتِ مرَّ وهو يقفُ شارداً ومستمتعاً بموسيقاهم.

فجأةً لم تعدْ المدينةُ غريبةً.
شعورٌ مباغتٌ بالانتماءِ لضياعِها تفجّرَ في اعماقهِ، توحّدَ فجأةً مع الطّرقاتِ مع الأبنيةِ، توحّدِ حتّى مع النّسائمِ الخريفيّةِ الباردةِ، ولم يعدْ يشعرُ بالبرد.
خلعَ معطفهُ ومنحهُ لرجلٍ متشرّدٍ عابرٍ.
افترشَ الرّصيفَ وراحَ يعزفُ النّايَ علناً للمرةِ الأولى
رد مع اقتباس

Sponsored Links