موقع زيدل الصفحة الرئيسية  

العودة   منتديات زيدل > المنتدى الزيدلي > منتدى الثقافة > العلوم و الثقافة العامة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 5th October 2015, 09:55 AM
الصورة الرمزية silva
silva silva غير متواجد حالياً
مشرفة منتدى الثقافة بتفرعاته
 
تاريخ التسجيل: Nov 2004
الدولة: سوريا
المشاركات: 511
الجنس: انثى
silva
أأنت هو أم ...؟

عن نيقولا ديب نيقولا ديب
الإمبريالية تغتال الحكايات
الجمل- أندريه فلتشيك*- ترجمة: د. مالك سلمان:
لا شيء يخيف الفاشية وأخاها الأصغر الإمبريالية أكثر من الأشخاص الحقيقيين وقصصهم الصادقة.
هذا لأن القصص العادية للناس العاديين مغرقة في صدقها وتعكس بدقة المخاوفَ والرغبات والأحلامَ البشرية الحقيقية إلى درجة أن إيديولوجي ودعائي النظام الغربي, المدعوم بنوع من الواقع المفرط المزيف, يشعرون أن بقاءهم مرتبط بإبادة تلك القصص, وإزالتها عن وجه الأرض, وحتى مسحها من ذاكراتنا.
تقف المشاعر الإنسانية الصادقة في الطريق؛ فهي لا تزال تقاوم, وتسدُ الطريقَ أمام "تتجير" الحياة والتطبيق الكامل للمفاهيم الشاذة التي قدمتها "الإمبراطورية". ويتم توصيف مثل هذه المقاومة وتمجيدها في القصص الحقيقية, مما يجعلها "خطرة جداً" ومميتة بالنسبة إلى النظام.
الطبيعة الإنسانية متفائلة وطيبة في أساسها, حتى أنها تكاد تكون منصفة وتشاركية. فإذا لم يتم استغلالها بشكل كبير واستغباؤها والاحتيال عليها, فإنها تضع حياة الآخرين فوق الربح المادي الصرف. فهي مصممة لتكونَ رحيمة ومتسامحة ومتقبلة. وهي ليست كاملة أو مثالية, بل على العكس من ذلك, ولكن كما أعلنَ الفيلسوف والكاتب الأمريكي ألبير كامو في نهاية روايته الرائعة "الطاعون": "البشر يمتلكون ما يثير الإعجابَ أكثر مما يثير الاحتقار."
كل هذه أخبار سيئة بالنسبة إلى أصولية السوق وأسياد العالم. فهم بحاجة إلى ضمان أن أغلبية الجنس البشري الساحقة تتكون من أفراد جشعين, وأشخاص عدوانيين, أشخاص لا يشعرون بل يستهلكون, وإذا فكروا فإنهم يفكرون في امتلاك أشياءَ أكثر واستهلاك أشياءَ أكثر, ولكن بالتأكيد ليس في كيفية بناء مجتمع يسوده الاحترام والمساواة.
* * *
كل حياة بشرية مصنوعة من القصص, من القصص الحقيقية والصادقة. بعض هذه القصص "شائعة" ويمكن أن تحدث, بتنوعات معينة, في أي جزء من العالم.
شاب يلتقي بفتاة, ويكون حبُهما "مُحَرَماً", لأن كلاً منهما ينتمي إلى طبقة مختلفة, أو إثنية مختلفة, أو دين مختلف. يحاربان سوية من أجل مستقبلهما ضد كافة التقاليد القمعية والتابلوهات, ويفوزان أو يسقطان. ولكن بعد صراعهما الملحمي من أجل السعادة, لن تبقى قريتهما, أو قبيلتهما, كما كانت من قبل.
يتمشى ابن رجل ثري في قرية بائسة, بالقرب من قصره الريفي. ويحدث أن يلتقي برجل عجوز أو امرأة عجوز. يجلسان قليلاً ويتحدثان.
الفلاح الفقير يوصل رسالة إلى سيد إقطاعي شاب. وبعد ذلك, تثير تلك الرسالة أسئلة وشكوكاً وأفكاراً؛ ثم يتابع دراسته. وبعد عقد من الزمن ينضم إلى الثورة, للإطاحة بالطبقة التي ينتمي إليها. كافة رجال ونساء الثورة عاشوا تلك اللحظة التي أدركوا فيها الحقيقة على يد شخص ما في طريق ريفية مغبرة: تشي, ولينين, وإنغلز, وماركس, وماو, وفيديل, وتشاڤيز.
بعض القصص فريد ومؤثر بشكل كبير:
كما هو موثق في كتاب قيم لرون ريدينور بعنوان "الارتداد", يحاول عملاء "سي آي إيه" تجنيدَ مجموعة من الكوبين, رجالاً ونساءً, ويطلبون منهم تدمير بلدهم, وقتلَ أناس أبرياء, وتفجير الطائرات المدنية في الجو, واغتيال القادة الكوبين, وتسميمَ البشر والمحاصيل بالمواد الكيماوية. يقبلون العرض, ويأخذون الأموال المقدمة. بعد ذلك مباشرة ينضمون إلى الاستخبارات الكوبية ويعملون طيلة سنوات "عملاءَ مزدوجين", لكي يحموا وينقذوا وطنهم الذي يحبونه. ليس هناك لحظة تردد واحدة. فالوطن الأم ليس سلعة, وهو ليس للبيع! يتم تدمير الحياة الشخصية لبعضهم في هذه العملية. لا يحتفظون بالأموال التي يتقاضونها. يقدمون رواتبهم المدفوعة من "سي آي إيه" إلى بلدهم, لشراء الأدوية وحاجيات أخرى. يقدمون المعلومات المزيفة للأمريكيين الشماليين. وفي نهاية المطاف تخرج قصتهم إلى العلن. وينقذون كوبا.
هذه هي القصص العظيمة عن النزاهة, والشجاعة, والتقدم.
"حياتي هي قصتي", هذا ما قاله مرة مخرج سينمائي ألماني مبدع اسمه ويم ويندرز. فهوية كل شخص, سواء كان ثرياً أو فقيراً, متعلماً أم بسيطاً, تتكون من الذكريات والأحلام, وشبكة من القصص المعقدة والساحرة.
لهذا السبب بالذات أصبحت القصص الحقيقية هدفاً للقتلة المأجورين من قبل "الإمبراطورية".
لكي تتمكن من النهب والهيمنة والاستغلال, افترضت "الإمبراطورية الغربية" أن عليها إسباغ الشرعية على أعمالها الإرهابية, من خلال الارتقاء بتلك الأفعال إلى أعلى مستوى أخلاقي.
للقيام بذلك, كان يجب تفكيك التفكير الفلسفي والمنطقي التقليدي, ومن ثم تقديم "التفكير الجديد". يجب توليد نوع جديد من القصص, كما يجب تغيير الطريقة التي يتم بها سرد القصص.
يمكن للبعض أن يسأل: "كيف يمكن تقديم وتعليب الجريمة بصفتها نوعاً من الغيرية"؟
يمكن ذلك, بالطبع, في تلك المجتمعات التي تفهم "الواقع" بعد تعرضها لجرعات يومية من الإعلانات والدعاية, وهما وجهان لعملة واحدة, مفردتان مترادفتان للكذب والخداع.
لكي تتمكن "الإمبراطورية" المتوحشة من تقديم نفسها بصفتها منقذاً للعالم ويتم اعتبارها على هذه الشاكلة, يجب أولاً تدمير وتخريب التفكير التحليلي للناس, كما يجب تقليص قدرتهم على التفكير. يجب أن تصبحَ القصص المقدمة لهم "خفيفة", و "مسلية", وأبعد ما تكون عن الواقع.
يجب تحطيم الروح الإنسانية, وإعادة تشكيل الطبيعة البشرية.
ومن ثم يجب جر كل ما هو حقيقي ونزيه ونقي في الناس في وحل العبثية الكتيم. يجب على الناس أن يبصقوا على كل ما كانوا يعتبرونه مقدساً, كما يجب تحقير وإذلال النزعة التفاؤلية وقتل الطيبة والدفء العاديين.
عوضاً عن ذلك كله, يجب حقن الناس بالبدائل الجديدة, ولو بالقوة إن اقتضت الضرورة ذلك.
هذا لأن أفعالَ الإمبريالية, مثل النهب وتشييء الحياة نفسها, هي أشياء غير طبيعية؛ فهي أشياء مروعة ومَرَضية. والطريقة الوحيدة لجعل هذه الأشياء مقبولة هي إلغاء الواقع ومن ثم استبداله بشبه واقع "جديد" وعنيف وغير منطقي.
* * *إذا اختفى ملايين الناس بشكل مستمر, في الآلاف من الأفلام الهوليود السخيفة, وإذا غزا ضحايا المتحولات والرجالُ الآليون والإرهابيون والحشرات العملاقة أو الأحياء الدقيقة الأرضَ, عندها يصبح الناسُ قساة و "مستعدين للأسوأ". وبالمقارنة مع الرعب الكامن في ذلك الواقع المزيف, تبدو المعاناة الحقيقية لملايين الرجال والنساء والأطفال في أماكنَ مثل العراق وليبيا أو أفغانستان تافهة.
"أطفالهم يصابون بالسرطان بسبب اليورانيوم المنضب الذي ينبعث من قنابلنا, أو أنهم يتحولون إلى أشلاء ... ولكن تذكر أن أطفالنا يؤكلون من قبل عناكبَ عملاقة أو يُقتلون على أيدي الإرهابيين العرب ..." لا أحد يتلفظ بهذه الكلمات, بالطبع. لكن هذا المونولوغ يحدث في منطقة اللاوعي.
إذا بدأ قرش ضخم مزيف بالتهام الممثلين الذين يلعبون دورَ مصطافين بريئين على شاطئ خلاب, فإن رعباً خيالياً كهذا يصدم المشاهدين إلى درجة أكبر بكثير مما يصدمهم عنف حقيقي يتعرض له السجناء في أحد مراكز الاعتقال والتعذيب الأمريكية, مثل أولئك السجناء في "أبو غريب" أو "غوانتانامو".
الواقع المزيف مصمَم لتقزيم الواقع.
باستخدام المفهوم نفسه, يميل المشاهدون إلى الشعور بصدمة أكبر عندما تستمر كاليفورنيا في الانزلاق في المحيط الهادئ, في أحد أفلام الكارثة, أكثر مما يشعرون عندما يقرؤون عن عشرات الحكومات حول العالم التي يتم إسقاطها من قبل "الإمبراطورية" لمجرد أنها "نزيهة زيادة عن اللزوم", حتى لو قضى الملايين من الناس في هذه العملية.
من الناحية النفسية لم يَعُد هناك, بالنسبة إلى الكثير من الناس, حدٌ فاصل بين الواقع والخيال. فقد أصبح مستهلكو أفلام العنف والإعلام الجماهيري منيعين على الرعب الحقيقي الذي تنشره "الإمبراطورية" في كافة أرجاء العالم, لأنهم سبق أن شاهدوا أشياءَ "أكثر إثارة للرعب" تنبثق من الشاشات.
وفي الوقت نفسه, يتم تشفير التلقين الفكري بشكل دائم في عقول الناس؛ إذ لا يعودون قادرين على التمييز بين دعاية مباشرة تطلقها محطة "بي بي سي" ضد الصين أو كوبا والواقع الذي يواجهونه عندما يزورون هذين البلدين.
يقوم البعض الآن بإطلاق الأحكام على العالم ويتخذون القرارات السياسية, من بين قرارات أخرى, استناداً إلى ذلك المزيج من الواقع والوهم: "قتل الصينيون بوحشية الآلاف من الناس عندما قصفوا إحدى السفن الخيالية, كما شاهدنا في فيلم ‘الآكشن’ الهوليودي الأخير, ولذلك علينا أن نمولَ ‘المعارضة, ونرسلَ سفنَنا الحربية إلى بحر الصين الشرقية, لردع التوسع الذي تخطط له بكين."
وإذا استمرت استوديو هات الأفلام, ومعها كتاب السيناريوهات الرخيصة, بشيطنة الشعب الصيني, والأمريكيين الجنوبيين, والروس, والعرب, والإيرانيين, والكوريين الشماليين, وآخرين كثيرين, فإن الخطر الوهمي سوف يبدأ – بطريقة ملتوية ومدروسة بعناية – بتبرير الاعتداءات الفعلية الكثيرة التي تقدم عليها قوات "الإمبراطورية" العسكرية.
* * *قامت "الإمبراطورية", التي تتكون من الأنظمة الفاشية الغربية التي تسمي نفسَها "حرة" و "ديمقراطية", بقتل مئات الملايين من الناس في كافة القارات. فقد ألقت جبالاً من القنابل والأسلحة البيولوجية على العديد من البلدان؛ كما أجرت التجاربَ على البشر, وأسقطت معظم الحكومات التي كانت مصممة على خدمة شعوبها. اغتالت الرؤساء ودربت رجالَ العصابات الذين قامت بترقيتهم إلى أعلى المناصب العسكرية, كما حدث في إندونيسيا وتشيلي ومصر والسلفادور وأماكنَ كثيرة أخرى. حيث قدمت التدريب لهؤلاء القتلة – الجنود في القواعد العسكرية الغربية في "فن" الاستجواب والتعذيب والاغتصاب العقابي, بالإضافة إلى "اختفاء" المعارضة.
لم يسفك أي نظام آخر هذا القدر من الدماء؛ ولم ينهب أي نظام آخر هذا الكم من الموارد أو يستعبدَ هذا العدد من البشر, مثلما فعل هذا النظام الذي يُطلب منا أن نمجده, هذا النظام الذي يسمي نفسَه "الديمقراطية البرلمانية الغربية" أو "الملكية الدستورية الغربية".
لكن كتابَ "القصص الجديدة" ومُصَنعي الواقع المزيف يبذلون كل الجهد لإعاقة طريقة التفكير هذه. فليس هناك أي نقاش حول حقيقة أن العالم الآن مُستَعبَد بشكل كامل من قبل الكولونيا لية الجديدة الغربية, وأنه خاضع ومقموع إلى أقصى درجة ممكنة.
لقد تم تغيير الماضي وأعديت كتابته, بالتعاون مع الأكاديميين وما يدعون ﺑ "الليبراليين" و "النُخب الخلاقة". حيث يتم تكرار الأكاذيب الغريبة آلاف المرات التي تصبح حقائقَ, كما اقترحنا بلسان المنظر الإيديولوجي الأول لألمانيا النازية. فكما لاحظ جوزف غوبلز, بذكاء, منذ عدة عقود: "إذا كررت كذبة بشكل كافٍ, فإنها تصبح الحقيقة."
يتم تكرار الأكاذيب عن الصين, والاتحاد السوفييتي, وأمريكا اللاتينية, وحول الكولونيا لية الغربية, والكولونيا لية الجديدة, و "الحرب الباردة", وأفغانستان, والعديد من الأماكن والأحداث الأخرى. وقد تم اجتثاث كافة القصص الأخرى المتعلقة بهذه المواضيع وإسكاتها أو – على الأقل – تعريضها للسخرية, باستثناء تلك القصص التي تم اختيارها والموافقة عليها واستخدامها في الدعاية.
داخل "الإمبراطورية نفسها, لا أحد يحتج تقريباً, إلا عندما يتعلق الأمر بالمطالبة بأجور أعلى وامتيازات أفضل. فقد أصبحت الجماهير الغربية المجموعة البشرية الأكثرَ تواطأ وسلبية في العالم. وهذا واضح من الفن الذي تنتجه وتستهلكه, ومن انتماءاتها السياسية, ومن طموحاتها.
ظهرت مفارقة مذهلة, لم يلاحظها أو يعلق عليها أحد: إن النظام, الذي ينادي بالخيار الفردي والتمركز الشديد حول الذات, تمكنَ من تقليص جزء كبير من العرق البشري إلى كتلة مطيعة ومعتوهة وخنوعة وخائفة من الكائنات المتشابهة المقتنعة بتفوقها.
فقد تلاشت فردانية الناس بشكل كامل تقريباً. كما أصبحت هويتهم مرتبطة بشكل وثيق, ومعتمدة بشكل كلي, على الهوية المُصَنَعة عبر نجوم التلفزيون, ومغني "البوب", ولاعبي الفو تبول.
من الضروري والمنطق أن تحاول "الإمبراطورية" ضمانَ تشويه القصص الحقيقية وتدميرها ومسحها عن الأرض, لكي تمنعَ الانحرافات وتتأكدَ أن العقول البشرية قد أقلعت عن الشك وقبلت بما يقدم لها.
حتى أنه تم اختطاف الحلفاء التاريخيين للقصص الحقيقية, وإفسادهم, وإجبارهم على الانقلاب ضدها: الكتب, والأفلام, والمسارح, وحتى القصص الخيالية.
لكن آمالَ جلاديها قد خابت؛ إذ لم ترضخ القصص في خضم ألمها الشديد وعزلتها وحزنها. وهذا لأنها شجاعة وفخورة, كما هم الناس في جوهرهم, وهي تعرف أن هناك أشياء كثيرة متوقفة عليها – فهي تمسك بأحد آخر الخطوط الدفاعية ضد الإبادة الرأسمالية, ضد "تتجير" الحياة نفسها, وضد محاولة إبادة الصنف البشري كما نعرفه.
بصفتي قاصاً, أعرف كل ذلك, لأنها – أي القصص – تتحدث إلي باستمرار. وأعرف أيضاً أننا سنتمسك بخط الدفاع التخيلي ذاك إلى النهاية, معاً, مهما حدث, بمساعدة أولئك الذين لازالوا قادرين على التفكير والأمل والحلم.
لن نتوقف عن سرد القصص, القصص الحقيقية, لأن هذا ما تفعله الكائنات البشرية منذ قرون طويلة؛ سرد القصص, والاستماع, والتعلم, والقراءة, والتقدم إلى الأمام, بتردد, والتعثر والتقدم رغم ذلك. وسوف نتمسك بخط الدفاع هذا ضد الفاشية الثقافية, لأن الاستسلام يعني خيانة كل شيء يستحق أن نحيا من أجله.
حلمَ الناس طيلة قرون وقرون بالعدالة والطيبة, وكانوا يحاربون من أجل عالم أفضل يتمتع فيه كل إنسان بالسقف الذي يحميه, والطعام, والتعليم المجاني, والعناية الطبية, حيث يغيب الخوف من المغتصبين المتوحشين الجشعين.
كانت القصص "الحقيقية" تحمل هذه الأحلام في جوهرها.
منذ عدة سنوات جلست في "كافيه برازيليرو" في مونتيفيديو, في الأوروغواي, مع أحد أعظم كتاب أمريكا اللاتينية, إدواردو غاليانو, وهو رجل كتبَ بعض أكثر القصص سحرية وقوة في القرن العشرين.
قبل أن نفترق, قال لي:
"أنا صائد قصص؛ أستمع إلى القصص, ومن ثم أعيدها للناس بعد معالجتها بطريقة إبداعية. أعتقد دائماً أنه لكي لا يصبحَ المرءُ أبكمَ, عليه ألا يكون أصمَ. على المرء أن يتمتع بالقدرة على الاستماع لكي يتمكن من الكلام. وأنا مستمع شغوف. أستمع إلى الواقع. الواقع سيدة سحرية, تكون غامضة جداً في بعض الأحيان. أنا أراها عاطفية جداً. فهي حقيقية ليس فقط عندما تكون مستيقظة, وهي تمشي في الطريق, بل أثناء الليل أيضاً عندما تحلم أو عندما تنتابها الكوابيس. عندما أكتب, أحتفي بها دائماً – بتلك السيدة التي تدعى "الواقع". أحاول ألا أخيبَ ظنها بي."
إذا حاول النظام تجويعنا حتى الموت, نحن القصاصين, سوف نفضل – كما في قصة غابرييل غارسيا ماركيز السحرية "لا أحد يكتب للكولونيل" – أن "نأكل الخراء" ولا نخونَ السيدة السحرية التي تسمى "الواقع". فالقصص, أي الواقع, ليست للبيع, كما أن الحقيقة نفسها ليست للبيع.
* * *
في آخر صفحة من نسخة قديمة لرواية "نهر النار", التي كتبها كوراتولين هايدر, هناك أحرف وأرقام مكتوبة بقلم رصاص: (دي. كي. 30-0-99 24036).
لا أذكر كيف حصلت على ذلك الكتاب, ولا أعرف ما تعنيه هذه الأرقام. الخط غير مألوف. ولكن من المؤكد أنه تعني شيئاً ما؛ شيئاً في غاية الأهمية, قصة أخرى, رمزاً مكتوباً بقلم الرصاص في إحدى أعظم الحكايات المكتوبة في الهند. "نهر النار" والملاحظة المكتوبة بالرصاص يجعلان المرءَ يحلم ويستخدم خياله – أي أن يكونَ حياً.
كما لم يمكن تعريف الإباحية على أنها حُب, فإن "القصص الجديدة" التي تشكل نظرتنا إلى العالم وتخترق مكنوناتنا النفسية ليست قصصاً حقيقية على الإطلاق. إنها بدائلُ تمت زراعتها بهدف استبدال الشيء الحقيقي بشكل دائم.
إنها تقتل الحياة في الكائنات الحية الحقيقية.
كل حوادث السيارات تلك, والذبح العبثي لآلاف من الناس في كل فيلم تقريباً, وسيناريوهات الكوارث والرعب اللامتناهية التي يتم توليدها بواسطة الكمبيوتر, لا علاقة لها بالحياة الحقيقية.
"القصص الجديدة" أشبه بمادة مدمنة, بالمخدرات, بالسجائر المحشوة بالمواد الكيماوية, أو بالمشروب الكحولي الرديء.
في كافة أرجاء العالم, يتابع المليارات من المشاهدين, البالغين والأطفال, النساء والرجال, وحتى العجائز, القمامة نفسَها المكونة من الحبكات والصور المولدة بواسطة الكمبيوتر في سيناريوهات وهمية هذيانية.
وكما هي الحالة في "باريس ريڤيو" التي كانت تديرها "سي آي إيه", تم تشجيع القصاصين للإعلاء من شأن الشكل على حساب الموضوع. إذ من المتوقع منا أن "نصبحَ شجعاناً" من خلال إظهار الأعضاء الجنسية في فنِنا, ووصف أكبر عدد ممكن من الحالات المذهلة, واختراع "دراما شخصية" وبحثاً ملحمياً عن "تحقيق الذات".
تم تحويل كل الدعوات إلى بناء مجتمع المساواة, والتمرد, والثورة, وإنهاء الكولونيالية الجديدة, وحالة الرعب, والدعاية, إلى محرمات مطلقة.
"السياسة مملة" هي إحدى الرسائل الرئيسة التي يشجعوننا على نشرها.
إذ ليس من المفترض أن يحشرَ الناسُ أنوفهم في "أشياءَ لا تعنيهم". فحكم العالم مقتصر على الشركات الكبرى وعدد قليل من رجال العصابات الذين يتمتعون بعلاقات عامة ممتازة. وتقتصر مهمة الناخبين على إضفاء الشرعية على هذه المهزلة. وإن لم يفعلوا ذلك, يتم ذبحهم كما في تلك الرواية الرائعة "الرؤية" للروائي البرتغالي خوسيه ساراماغو.
أو كما في الحياة الحقيقية, حيث تم ذبح الأوروبيين في فرنسا وإيطاليا وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية, عندما كانوا ينوون التصويت للشيوعيين, لكنهم واجهوا النازيين القدامى الذين أطلقهم الحلفاء الغربيون, وخاصة الأمريكيون والبريطانيون, ليقتلوا قادة ومؤيدي اليسار. وبعد ذلك تم نقلُ النازيين الناجحين, بسرية وبكل الغنائم التي أخذوها من الضحايا اليهود, إلى أمريكا الجنوبية النائية, حيث التقيت وقابلت بعضهم مع أطفالهم – في الباراغواي وتشيلي والبيرو.
ولكن إياك أن تفكرَ بكتابة القصص عن ذلك.
"الكرامة الكولونيالية!" ,قال لي عندها أحد محرري المجلة الألمانية الكبيرة "دير شتيرن" عندما قدمت له صوراً وقصصاً حقيقية حول المستعمَرَة الألمانية المجرمة في جنوب تشيلي. وفي لحظة معينة انفجر بالضحك: "إياك أن تفعل ذلك ثانية!"
القصص الحقيقية تسخر من ترتيب العالم بهذه الطريقة. فالقصص الحقيقية كانت دائماً "سياسية", لأن كل شيء مهم هو "سياسي" في واقع الأمر. فالتعليم والرعاية الطبية قضايا سياسية, وكذلك السكن وتخطيط المدن والحدائق الخضراء والفساد والفنون والتديُن أو العلمانية, وحتى الحب وكيف يمكن, أو لا يمكن, التعبير عنه.
كافة الروايات العظيمة سياسية, وما نراه الآن – تفريغها من السياسة – شيء غير اعتيادي, يلامسُ الشذوذ والفبركة. كان العديد من الأغاني العظيمة سياسياً, ولا تزال كذلك حتى الآن – في أمريكا اللاتينية وروسيا أو الصين.
حتى هوليوود كانت سياسية في بعض أفلامها العظيمة مثل "كل رجال الرئيس", و "عداء الماراتون", و "يقتلون الأحصنة أيضاً", و "هكذا كنا", و "قبلة المرأة العنكبوت", من بين أفلام كثيرة أخرى.
كانت السينما الفرنسية سياسية بالتعريف, كما كان كل شيء عظيم يأتي من الاستوديو هات الأمريكية اللاتينية والإيطالية, بشكل مباشر أو غير مباشر. وكان السوفييت يسردون قصصهم حول إنقاذ العالم من الفاشية, وحول محاولتهم بناء مجتمع خالٍ من الطبقات.
كان يجب إيقاف ذلك كله, بأية طريقة ممكنة.
كان لينين محقاً في الإشارة إلى أن الفيلم هو الشكل الفني الأكثر أهمية الذي يمكن أن يؤثر في الجماهير. كان يعرف ذلك وتحدث عنه, لكن النظامَ الغربي استغلَ تلك الحقيقة إلى أقصى درجة ممكنة.
من أجل تفتيت العالم والسيطرة عليه بسهولة, كان على "الإمبراطورية" أن تقطعَ التواصلَ الثقافي بين القارات بشكل حاسم. كان يجب تمرير كل شيء عبر "محاور" يمكن من خلالها مراقبة المعلومات والرسائل وانتقاؤها وتعديلها في نهاية المطاف. وكانت نيويورك ولندن ولوس آنجيليس وميامي بعض هذه "المحاور"؛ بناءً على مناطق العالم التي يجب التأثير فيها, وعبر أية وسيلة.
لوس إنجليس هي مركز التلقين البَصَري والتسفيه الفكري, بينما تحتل ميامي, من بين أشياء أخرى, مركزَ اقتلاع الأسنان وتحويل الشكل الموسيقي الأكثر سياسية على وجه الأرض – "الصلصا", التي جاءت من كوبا وبقية جزر الكاريبي – إلى موسيقا "بوب" تافهة.
في حال لم يتم تدمير معظم القصص الهامة من أجزاء مختلفة من العالم بشكل كامل, كان المطلوب "إعادة سردها" كلياً, وعندها فقط يمكن إعادة توزيعها إلى كافة أنحاء العالم, في شكلها اللماع الجديد الرخيص.
كما تم استئصال العبَر المتأصلة في روائع السينما الروسية واليابانية والفرنسية من خلال إعادة إنتاجها في هوليوود.
أصبح الأنغلو- سكسونيون الوحيدين الذين يُسمَح لهم بتقديم نسختهم عن القصص للعالم أجمع. وقد أتقنوا مهنة غسيل الدماغ هذه بشكل هائل, حيث قاموا بحقن السرد بالعقائد والأفكار الجاهزة للاستهلاك الفوري من قبل المشاهدين الجهلة, أو الذين تم تجهيلهم, في كافة أصقاع الأرض.
الهدف الرئيسي واضح: التأكد من أن الناس لن تفكر. يجب ألا يفكروا وهم يقرؤون, وهم يستمعون للموسيقى, وهم يشاهدون الأفلام. يجب ألا يفكروا كثيراً على الإطلاق: كل ما عليهم فعله هو دراسة مجالاتهم التخصصية, والعمل في الشركات, والاستهلاك, والتصويت كما يُقال لهم أن يصوتوا, والطاعة. وإلا!
والآن يتم حَقن الناس في كافة أنحاء العالم بنفس العقائد, كما تم فرض نفس المنتجات عليهم. وقد ولد نتيجة ذلك دينٌ جديدٌ من "الهضامة" و "الغلاظة" روجَ له الإعلام الاجتماعي والإلكتروني والذي تغذيه, من جهة ثانية, الشركات متعددة الجنسيات.
تم تحويل مفهوم "الهضامة" إلى عكس ما كان يعنيه طوال قرون. فأن تكونَ "مهضوماً" أصبح يَعني الآن ألا تفكر, وأن تصبحَ مثل الآخرين, وأن تكون "خفيفاً", وأن تثرثر, وأن تتبادلَ الرسائلَ والمعلومات العبثية مع الآخرين, وأن ترغبَ في نفس المنتجات, وأن تبدوَ مثل الآخرين, وأن تقبلَ ما تروج له "الإمبراطورية" وأصولية السوق. كما تم الهزء من كل من يفكر وتهميشه, منذ سن مبكرة؛ حيث تعرضوا للسخرية والاحتقار وأجبروا بالتدريج على الالتحاق بالركب.
كان المفهوم سهلاً: "سنجعل منك شخصاً غبياً, متماثلاً, وجاهلاً, ومجرداً من الخيال. ومن ثم سنعطيك الخيار الحر, ومن المرجح أن تطالبَ بمزيد من التسلية الفارغة, والمزيد من التماثل, والمزيد من الإعلام الاجتماعي, والمزيد من الأحلام الكيماوية. وسوف لن تحتجَ, ولن تطالبَ بتغيير النظام. سوف تعمل بجد أكبر لتجعلَ النخبَ أكثرَ ثراءً, وتستهلكَ ما يُقالُ لك إنه مرغوب ومطلوب. آمين.
وبعد ذلك سوف نتعانق معاً, نظامك وأنت, في تكافل وتعايش مثاليَين."
وقد ذهبَ الأمر إلى أبعدَ من ذلك. ففي مرحلة معينة, منحَ صناع الإيديولوجيا الغربيون والمؤسسات الإعلامية أنفسَهم حقوقاً حصرية ليحكموا على الآخرين ويشكلوا المفاهيمَ الأخلاقية.
بدا الأمرُ أشبهَ بعصابة من قطاع الطرق الذين يغزونَ بلدة حدودية, ويقتلون المئات من الرجال, ويغتصبون النساء, ويسرقون المصرف. وفي اليوم التالي, يقبض أعضاء العصابة على سارق دراجات هوائية استغلَ الفوضى القائمة. تتم محاكمة اللص والحكم عليه بالسجن لعدة سنوات عقاباً على "جريمته الفظيعة". يقدم قطاع الطرق هؤلاء أنفسَهم كأبطال ومُخَلصين.
في الحقيقة, تصلح هذه لتكون قصة جيدة جديرة بالسرد. فالتمثيلية بأكملها في غاية السخرية والشفافية. ولكن الصدام في الأمر أنه لا أحد يضحك, ومن المؤكد أن لا أحد يضحك في الغرب!
* * *تمت التغطية بسرعة كبيرة على واحد من أهم الأفلام السينمائية – "الساموراي السبعة" لكيوروساوا – بواسطة فيلم هوليوود آخر مبني عليه, "الرائعون السبعة", لأن من المفروض أن يمتلك رجال "الكاوبوي" الأمريكيون, وليس "الساموراي" اليابانيون, الحقَ في تقديم معيار أخلاقي حقيقي للعالم.
كان كيوروساوا واقعياً اشتراكياً, وكانت سيناريوهاته الأولى مرفوضة تماماً من قبل النظام الغربي. ومن الضروري أيضاً الإشارة إلى أن كيوروساوا, بعد الحرب, كان منشغلاً في البحث عن طرق لتجنب الرقابة المفروضة على الفن والإعلام اليابانيين من قبَل إدارة الاحتلال الأمريكي.
على غرار الأفلام, كان يجب اختطاف كل تلك الحكايات الخرافية الساحرة من كافة أنحاء العالم, وإعادة تدويرها, واقتلاع أسنانها, واستئصال رسالتها الاجتماعية. فقد قامت شركة "ديزني" بإعادة تعليب تلك المخلوقات العظيمة والصغيرة من كافة أرجاء المعمورة وتحويلها إلى مفهوم بشع من الحكايات الخرافية أقربَ إلى مفهوم الطعام السريع؛ حيث قامت بتدميرها وازدرائها, وتحويلها إلى موادَ فنية ساقطة تميل إلى اللون الأصفر والزهري.
حتى في تلك البلدان التي تتمتع بثقافات فولكلورية قديمة, مثل تايلندة وإندونيسيا, لم يبق شيء يُذكر من الحكايات الأسطورية الأصلية: يعتمد الأطفال بشكل كامل على الألعاب التي يتم إنتاجها بأعداد كبيرة, والتي يتم تصميمها في ورشات الكمبيوتر الأمريكية, بدلاً من الاعتماد على الحكواتيين المحليين والقصص الأسطورية الجميلة. والأمر مشابه للطعام السريع والسجائر, في وقت لاحق.
يتم مسح الهويات كلها, كما يتم تدمير الإبداع والأصالة. حتى أن أغاني النوم الأصلية أخذت بالاختفاء في مناطق عديدة من العالم.
* * *يصبح معظم الكتاب, والمفكرين, والصحفيين, وصانعي الأفلام – تدريجياً – دعائيين مطيعين للنظام.
وهكذا تجسدت النبوءة الفظيعة لأورويل وهَكسلي, بهدوء, دون أي دراما كبيرة أو "أحداث هامة". وبالطبع فإن الدراما الحقيقية – ذبح مئات ملايين الرجال والنساء والأطفال البريئين في كافة أنحاء العالم – مستمرة منذ قرون عديدة. لكن الضحايا لم يكونوا بشراً, كما قال أورويل, ولذلك لم يهتمَ بهم أحد.
ثم فجأة أصبح كل شيء قسرياً. وتوقف سيلُ الحكايات. لا نعرف متى حصل ذلك بالتحديد. لا أحد يعرف.
* * ** آندريه ڤلتشيك روائي, وصانع أفلام, وصحفي تحقيقي. غطى الحروب والنزاعات في عشرات البلدان. لاقت روايته "نقطة اللاعودة" إقبالاً وشهرة كبيرين. يتناول كتابه "أوقيانوسيا" الإمبريالية الغربية في جنوب الباسيفيك. كما يتناول كتابه "إندونيسيا – أرخبيل الخوف" إندونيسيا بعد سوهارتو, ونموذج السوق الأصولي. انتهى من الفيلم الوثائقي "مناورة راوندة" حول التاريخ الراوندي ونهب جمهورية الكونغو الديمقراطية. بعد أن عاش عدة سنوات في أمريكا اللاتينية وأوقيانوسيا, يعيش ويعمل الآن في آسيا الشرقية وأفريقيا.
رد مع اقتباس

Sponsored Links
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Sponsored Links

جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 10:00 PM.


Powered by vBulletin V3.6.2. Copyright ©2000 - 2019
تصميم الموقع وسام عبد العزيز جميع الحقوق محفوظة, Copyright ©2001 - 2019
المنتدى | الجالري | صفحة الافراح | شبكة زيدل محادثة صوتية صور المناسبات العامة خارطة منتدى سوريا حمص