موقع زيدل الصفحة الرئيسية  

العودة   منتديات زيدل > المنتدى الزيدلي > منتدى المجتمع > مواضيع اجتماعية

 
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 10th April 2014, 03:37 AM
سليمان رحّال سليمان رحّال غير متواجد حالياً
عضو
 
تاريخ التسجيل: Jan 2011
المشاركات: 150
الجنس: ذكر
سليمان رحّال is on a distinguished road
في دروب الوهم

في دروب الوهم
بحالةٍ من الوهم الزاحف والمهيمن ، وخارج حدود الزمان والمكان ، وجدتُ نفسي واقفاً بحيرةٍ ، في ساحةٍ ( مفترق ) تفضي إليها معابرٌ شتى ، تتوزع في كافة الاتجاهات ، ولمّا طالت بالمكان وقفتي ، ولم يكن لي بُدٌ من الخروج من عزلتي ، وبالرغم من أن السير إلى المجهول قد يؤدي إلى التهلكة ، انصرفتُ إلى واحدٍ من تلكَ المعابر لعلّي أجدُ فيهِ ما يبهجُ قلبي ويسرُ خاطري ، ويخلصني مما أنا فيهِ من تزاحم الأفكارِ ، ويخرجني من دائرة همومي..فهلّ تعتقد إني وجدتُ ضالتي؟..إذاً إليكَ حديثُ رحلتي.
معَ توغلي في هذه الجادّة ، وجدتُ أنَّ المقاهي سرّها ومادتها ، فالعابرُ فيها لا يسمع سوى طقطقة النرد وقرقرة النرجيلة ، ومن داخل كُل مقهى تأتيهِ أصوات الصبيان ساعينَ لتلبية طلبات الزبائن ، متداخلةَ معَ غوغاءَ أولئكَ .وحينما تعبت من المسير لُذتُ بإحداهنّ بقصد الراحة والتعرفِ على ما يدورفي الداخل ، وهناك لاحت لناظري صورٌ مهزوزةٌ ، فهذا يدخّن النرجيلة باسترخاء وخمول ، وذاكَ يدخلُ معَ صاحبهِ بجدلٍ مريرِ حول الشيش بيش والبنج وسي ، وبجانب الطاولة المجاورة ، رجلٌ يأخذ راسهُ بين يديهِ ويغرق بالتفكير ، وبالقربِ منهُ رجالٌ يلعبون الورق بصمت . اقتربتُ من هؤلاء مستطلعاً ، فاكتشفتُ أنَّ الأخَ لايعرفُ أخاهُ والصديقَ ينكرُ صديقَهُ ، والماهرَ الشاطرَ منهم ، من يستطيع النيلَ من الباقين ، وقبلَ أن أنوي الانسحاب ، كانت الصيحات ُقد علت ، والمعركةُ قد اشتدت بين القصّ والجويز ، واختلطت من حوليَّ الأصوات ، وضيقت أنفاسي رائحة الدخان والتنباك ، التي تتصاعد في الأجواء وكأنها الغيوم البيضاء ، فسئمتُ مما وجدت وعدتُ أدراجي إلى مفرقي وأنا أحدّثُ نفسي (قبّحهُ اللهُ من مكانٍ ما أكثر نفاقهُ وأقلّ وجدانِه )
مرّةً أخرى عاودتني الحيرة ،وضيقت عليَ المكان ، فتملكتني الجرأة والإصرار ، على التوجُه إلى معبرٍ آخرأتحسس الأجواء فيهِ ، فطالعتني في تلك الناحية دورٌ للعبادة ، تحتلُ كُلاً من الجانبين ، والناس فيها يركعون ويصلونَ للواحد القدير ،مبتهلين - كلُ حسب شريعتهِ – فاتحي الأكُف ، ضارعين لهُ ، طالبين منهُ أن يحقق لهم رغائبهم ، ويمهد لهم السبل إلى غاياتهم ، طامحين لأن ينصرَهم على أعدائهم ، وما أعداؤهم سوى إخوانهم الذين يصلون بدورهم من أجل نفس الغاية والهدف ، وكُل هؤلاء ينسون قول الفادي الحبيب (ما كُل من يقول يارب.. يارب يدخل ملكوت السموات )ولمّا لم أكن أنتمي إلى مثل هؤلاء ، حدّثتُ نفسي بالرجوع فرجعت .
في معبرٍ آخرَ توغلت ، وفيهِ وجدت سوقاً لكّلِ جميل ، فعلى جانبيهِ موائدُ عامرةٌ بكُلِ أصناف المآكل الطيبة ، والمشروبات المنعشة التي تثيرُ رائحتها الشهية والنهم ، فظننتُ إني قد أفلحت ، لكنّ منظراً مؤذياً جعلني أغيّرُ رايي بما استحسنت ، فهنالك في الزاوية القريبة رجلان ثملان يميل واحدهما على الآخر ، وكل منهما يلوك الكلام بصعوبة ،مستخدمين أبذأ العبارات التي لاتليق بالعاقلين ،وفي الجانب الآخر اثنان آخران نشبت بينهما معركةٌ حاميةٌ ، هرِعَ الآخرون لفضها فيما بينهما ، ومن جانبٍ ثالثٍ ، علت الصيحات استحساناً لأغنيةٍ نشاز ، كان صاحبها يعتقد أنهُ فازبها بجائزة الطرب وفي ركنٍ قريبٍ كانت فتاةٌ ترقص بزيٍّ فاضح ومن حولها رجالٌ تأخذهم النشوةُ ،فيرفعون الكؤوسَ طرباً مما يشاهدون ، وفي هذه البيئة العاصفةِ بالفوضى ، رفعتُ رايةَ الاستنكار وعدتُ إلى موقفي غير آسفٍ على شيء .
ومنهُ إلى سبيلٍ آخرَ توجهت ، وهاهنا فوجئت بطريقةٍ غريبةٍ للتعامل ، فهذا رجلٌ يسلمُ على رفيقهِ بحرارة وبشاشة ،حتى إذا فارقهُ تحولت بشاشتهُ إلى تجهُّم ، ثمَّ بصقَ على الأرضِ حنقاً منهُ ، وتلك فتاةٌ تقابلُ فتىً فتجعله يطيرُ على أجنحة الحبّ والفرحِ ، حتّى إذا غادرها ، أقبلت على غيرهِ بنفس الشكلِ واللون وفي المتجر القريب بائعٌ يحلفُ أغلظَ الأيمان على أن بضاعتهِ تفوقُ جميع البضائع المتوفرةِ في السوقِ جودةً وسعراً ، ويؤكد أن بضاعةَ جاره لاتساوي بنسا واحداً،فعجبتُ من ذلك العالم المزيف ، ولمستُ في نفسي إغراءً لاكتشاف نهاية السوق ، وفيهِ رأيتُ شاباً بعمر الورد يراقب الجيوب ،وآخر يحتالُ على الباعة والمبتاعين ،وفي الطريق كهلٌ يصبُ جام شهوتهِ على فتاةٍ تعبرُ أمامهُ وهي قد تكون بعمرِ أصغر بناتهِ، ومن هنا وهناك تسمع ألفاظاً نابيةً، لاتليق بحضارة هذه الأيام ..ولمّا لم يرُقْ لي ما رأيت وسمعت تراجعت ثمّ رجعت .
في المفترق وقفت من جديد ، وقد استولت علي حالةٌ من تداعي الأفكار ، ولولا أنّ الفضولَ كان يدفعني ويغريني لما تحرّكتُ من مكاني ولكنّ الدافعَ كانَ الأقوى ، فجعلني أتوغلُ في معبرٍ جديد ففوجئتُ بأبنيةٍ ضخمةٍ مزخرفةٍ ، وساحاتٍ عامرةٍ بالربيع النضِر، والأشجار الوارفة الضلال ، والنوافير المدهشة المرطبة للأجواء ، فهدأت نفسي وارتاحَ بالي غيرَ أني فوجئتُ بسكانِ هذه الناحية الذين يمشونَ اختيالاً كالطواويس ، فالرجال يتباهون بتيجانهم المرصّعة ، والنساء يتباهينَ بالقبعات المزينة بريش النعام ، فتراهنّ مأخوذات بعظمة رجالهن الذين بدورهِم يغوصونَ بأمواج العظمة حتّى آذانهِم ناسين أننا جميعاً أبناء رجلٍ وامرأة يدعونهما آدم وحوّاء، وأن الموتَ يوحدنا جميعاُ تحتَ التراب الذي سيضمنا بين طياته العادلة ، كما لمستُ في هذهِ الناحية مخاتلةً عجيبة في اللعب على أوتار المصالح ، وتنافسا غريبا من أجل الوصول إلى المطامح وتسابقاً فظيعاً بانتهاز الفرَص من أجل الارتقاء في سلم الصعود ، ومهارةً فريدة في ما يسمّونه دبلوماسية الأداء ، والكُلُ يفتخر ويعتز بما وصلَ إليهِ من نفوذ ، وينسى كُل هؤلاء آية الرب القائلة (ليس بالخبز وحدهُ يحي الإنسان )وأنّ العظمةَ تكونُ في قلب الإنسان ووجدانهِ ، وفي خضمّ هذهِ الأفكار تساءلت
-هل أنا في مدينة الملوك والسلاطين ومن والاهم من أصحاب النفوذ ؟.
إنْ كان ما أتخيلهُ صحيحاً ف (البيحُب النبي يخلي )
وفي المدخل التالي رايتُ نساءَ بأجملَ هندامٍ يتبخترنّ وكأنهنّ الملكات ورجالاً يرفلون بأحسن الثياب متصنعين في مشيتهم رافعين الرؤوس بعنجهيةٍ ،وكان لسان حال هؤلاء واولئك ( يا أرض اشتدي )إنها الكبرياء والعجرفة التي تدفعنا للاستهانة بالأخر ، وتضللنا في درب الأنا الظالمة التي تجنبنا معرفة ذواتنا الحقيقية ،والسؤال هنا : لماذا كُل ذلك ؟ هل فقدنا السبيل إلى المعرفة ..اهدنا يا ربّ..ومن المفارقات العجيبة في ذلك الحيّ هو أني وجدتُ مُقعداً يستجدي المارة لقمة العيش التي تعجزهُ حالته عن الحصول عليها ولاأحدَ يحفل بهِ ،خلا البعض من أبناء طبقتهِ الذين يردون على سؤالهِ ( الله يبعث إلنا وإلك العين بصيرة واليد قصيرة ) وأمام ما رأيت حزنت وقررت العودة إلى حيثُ كنت .
في المعبر التالي شاهدتُ ورشاً كثيرة ، وعمّالاً يعملون هادئين مبدعين ،حتّى إذا اقبل عليهم رب العمل ترى هذهِ الورش تشتعلُ نشاطاُ وحيويةً ، اثباتاً من العاملين فيها لإخلاصهم لهُ..أما الآخر ،فتجدهُ يأمر وينهي ، ويحاسبهُم على كُلِ كبيرةٍ وصغيرة ويوجههم بما يتفقُ مع مصالحهِ، حتى إذا كان ذلك يجورُ على إبداعاتهِم وما إن يغادرهم حتى ترى كُلَ شيء عاد إ لى ما كان عليه من قبل ، فلم تعجبني طريقتهم بالمداهنة ولا بإذلال نفوسهم ولا بتراجعهِم عن الأداء الصحيح ، مثلما لم يعجبني منهُ التدخل المصلحي الذي سيؤثرُ على إبداعاتهم ، فالعمل يجب أن يسير في المسار الصحيح ، ولمّا كان ما رأيته لاينسجم مع تطلعاتي قررت العودة إلى مفترقي لأقفُ بهِ حائراً لا أدري إذا كنت أنوي الاستمرار في العبور أم أبقى واقفاً مكاني ، وحينما اشتدت حيرتي ، أيقظني جرس المنبّه فوعيتُ إلى نفسي وأنا أردد: إلى أين ؟..فردّ عليَ صوتٌ من داخلي يقول : إلى العمَل الذي لابدَ منه لمسيرة الحياة .
...................................
من يطمحْ لاحترام الناس يجب أن يكون كالسنبلة المعطاءة التي تحني رأسها تواضعاً


رد مع اقتباس
 

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Sponsored Links

جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 05:18 AM.


Powered by vBulletin V3.6.2. Copyright ©2000 - 2021
تصميم الموقع وسام عبد العزيز جميع الحقوق محفوظة, Copyright ©2001 - 2021
المنتدى | الجالري | صفحة الافراح | شبكة زيدل محادثة صوتية صور المناسبات العامة خارطة منتدى سوريا حمص