موقع زيدل الصفحة الرئيسية  

العودة   منتديات زيدل > المنتدى الزيدلي > المنتدى الأدبي > القصص و الروايات المميزة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 28th November 2014, 04:11 PM
مطانيوس ع. سلامة مطانيوس ع. سلامة غير متواجد حالياً
مشرف المنتدى الروحي و السياسي
 
تاريخ التسجيل: Oct 2004
الدولة: زيدل
المشاركات: 896
مطانيوس ع. سلامة
الطريق إلى الحلوى

الطريق إلى الحلوى
اتّكأ أيوب دون أن يدري على شبه جسد يرقد بجواره .. انتفض الهيكل العظمي , وانطلقت من حنايا الضلوع البارزة أنّة مكبوتة نبشت الأيام وقبور الأجداد , وحفرت الجرح عميقاً في بوابة الوجدان ..
- ما هذا ؟ ماذا فعلت ؟
ردد الصدى أمواج الأنين في فضاء غرفة خاوية إلا من الأشباح , حتى تلاشت في مسامات جُدُرٍ تنزّ عفونة , سفر أوجاع الزمان مليءٌ بالأحزان .. القهر يعرّش في سطوره , والأسى يلون كل وريقةٍ فيه .. اعتدل أيوب في جلسته , ولم ينبس ببنت شفة ..
- أيوب .. ما بك ؟
تاهت عيناه في شقوق الشفاه الصفراء طويلاً فارتسم قوس قزح على ناظريه , وتمتم بألم .
- ألا تعرفين يا امرأة من أين يأتي جارنا بالحلوى ؟
- لا .. لكني فكرت بالأمر وأنا مضطجعة .. ربما كان أبو الفضل ..؟
- أعوذ بالله .. أبو الفضل مازال يهدّده بالطرد بحجة أن لا عمل له .
- هل تعتقد أنه يسرق ؟
- لا ..لا .. إيّاك أن تقوليها ثانية ً .. مرزوق رجل شريف ونظيف ولا غبار على سلوكه .
- إذن من أين له المال حتى يشتري الحلوى لأولاده من فترة لأخرى ؟
- هذا ما أود معرفته اليوم .
*
الشمس عليلة , والجو رمادي يُلقي بظلاله على الوجوه الصدِّئة , وأفئدة الكون تنشقّ عن عاصفٍ ودخان أسود , وألف شعلة نار تحرق بيادر النجوم ..
رباه .. ما زلنا نلوك المنى منذ كنا .. رفقاً بنا .. آهاتنا تعشّش في أعماقنا . تذّوب كل بشارة بالأمل .. لنا في منجم الزفرات ترحال مع الأيام , نرقع الثقوب , نكتب بالنار على الجراح كل الأماني , نرسم أوجاعنا على صحائف الدخان والعجاج وفوق نثار الصقيع , ماذا نفعل وأشواك الحرمان تنثر بسخاء على الشفاه اليابسة صباح مساء ؟
ماذا نقول والوقرْ يورق في الآذان ؟ أنبتلع سكاكين المدى , أم ندفن رؤوسنا في قبر بلا شاهدة ؟
ها هم أمامي يسيرون .. يهرّبون الفرح , ويغتصبون البسمة , وعيونهم تحملق في السحب السوداء . يتكئون على أحذية مستوردة , ويمضغون لبانات بلا سكر , وها هو مرزوق يتأمل عمود دخان وشعلة نار بعينيه الكليلتين يمضغ الآه , ويبتلع الحسرة , ويصارع أمواج القهر بصمت .. إنه ملقى أمام الخان كنفاية تحوّم حولها أسراب الذباب , وهذا أبو الفضل في الداخل يقلّب دفتره العتيق أملاً بدينٍ مستحق .
- مرحباً مرزوق ..
- أهلاً أيوب .. تعال إلى هنا لئلا يرانا ..
- ما بك ؟ أراك بلا عمل .
- كما ترى يا أخي , وأبو الفضل يهددّني كل يوم بالطرد , فأذرف الدموع سخية عند قدميه حتى يتراجع عن قراره ..
- لا أريد يا مرزوق أن أطيل الوقوف أمامك .. أريد أن أسألك سؤالاً واحداً لم أجد له جواباً .
- تفضل يا أخي .. قل ما شئت .
- من أين تجلب الحلوى لأولادك ؟
كلّلت الكآبة وجه مرزوق , وتهدّلت شفتاه , ونكس طرّفه لئلا تفضحه دموعه ..
- ما بك يا مرزوق ؟
- اسمع يا صديقي .. كنتُ أدفن وجي كل يوم في غلالات الشفق لأنني ما عدت أستطيع مواجهة الزفرات والدموع , أغمض عينيً كلّ هنيهة لئلا أرى عيون أولادي النديّة وشفاههم اليابسة , أصمّ أذنيً بيديً لئلا أسمع منهم كلمة حلوى , آه يا صديقي كم تحمل هذه الكلمة اللعينة من معانٍ وكم هو وعر طريقها في هذا الزمن الرديء .
اعتصر مرزوق عينيه خلسةً ومد ساعده الأيمن مرتجفاً , فلاحت عروقها الزرقاء نافرة .. أشار بسبابته الراعشة إليها قائلاً :
من هنا يا أيوب .. من هنا يا جاري الطيب ..
- ماذا تقول يا مرزوق ؟
- ألست تبحث عن الحقيقة ؟ هاأنذا أصارحك بها .
- ولكن ..
- لا تستدرك يا اخي .. اذهب ولا تتردد .. إن حياتنا ليست ملكاً لنا , وما نقدّمه الآن أفضل بكثير من الدم المراق بلا جدوى .
أحسست وأنا أحث الخطا أن في دمي رسائل ناريّة تلعن الدخان وكل الفئران البشرية , وأن في حنجرتي قمرياً مجروح الغناء .
السحب الداكنات أخذت تصنع سقفاً أسود يغطي سماء مدينتي التي أثقلتها الكوابيس ..
نهر الفرات يجرف دموعاً ونفايات , وفخذاه عاريان تُسكب عليهما أنخاب القهر وبقايا مقالع النفوس .. الوجوه الناحلة تحاصرني في كل مكان وعيونها الحمر تلتهم الآمال ..
قلّبت صفحات الحرمان في سفر حياتي فاستيقظت فيَّ الذكرى الدفينة والصور الحزينة .
قلت يا رب لاتظنّن أني أتعمد تهريب القهر , أو أكفر بنوازل الدهر , لكنني أؤمن بالآه المحفورة ..
مددت ساعدي .. كانت عروقها نافرة زرقاء .. ابتسم الطبيب , وقال فرحاً :
- فصيلة دمك من زمرة نادرة !! كم أنت شهم أيّها الرجل ! ستحصل على علبة حلوى ثمينة , وسنحتاج إلى دمك كثيراً ..
أجبته والبسمة العذراء استحالت في ثغري قطوباً :
- اطمئن أيها الطبيب .. سأكون هنا من فترة لأخرى , لأني أؤمن بالدم المُباع عندما يستحيل حلوى بأفواه الجياع .

--------- القصة للكاتب والروائي محمد رشيد الرويلي من دير الزور وهو عضو اتحاد الكتاب العرب ورئيساً لفرع اتحاد الكتاب العرب بدير الزور وله من المؤلفات أكثر من عشرون كتاباً وقد اغالته العصابات التكفيرية العام الفائت وأكثر كتاباته تهتم بالإنسان – رحمه الله رحمة واسعة وأدخله فسيح جناته .
__________________
الصديق كالوريد يمد القلب بالحياة
رد مع اقتباس

Sponsored Links
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Sponsored Links

جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 03:04 AM.


Powered by vBulletin V3.6.2. Copyright ©2000 - 2019
تصميم الموقع وسام عبد العزيز جميع الحقوق محفوظة, Copyright ©2001 - 2019
المنتدى | الجالري | صفحة الافراح | شبكة زيدل محادثة صوتية صور المناسبات العامة خارطة منتدى سوريا حمص