موقع زيدل الصفحة الرئيسية  

العودة   منتديات زيدل > المنتدى الزيدلي > المنتدى الأدبي > القصص و الروايات المميزة

 
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 13th May 2014, 08:12 PM
ربى عبد الحي ربى عبد الحي غير متواجد حالياً
مشرفة منتدى مما قرأت
 
تاريخ التسجيل: Apr 2014
المشاركات: 108
الجنس: انثى
ربى عبد الحي is on a distinguished road
مكابرة

تدركُ تماماً أنّها خسرته .... و لكنّها تُصرَّ على المكابرة.
فعلى الرغمِ من أنَّ سنواتِ الحربِ الثلاثةِ حقنت أوردتها بجرعاتٍ متكررةٍ من الخيباتِ حتّى أدمنتِ الخسارات، إلا أنّ خسارته تعدُّ من فئة المصائب ثقيلةِ الوزّنِ، التي يعجز كائنٌ بشريٌ مرهفُ القلبِ مثلها عن حملها، دونَ أن يصاب بفتقٍ حادٍ في عامودِ حياته الفقريِّ، مع وجود خطورةٍ عاليّةٍ للإصابة بلعنةِ الإعاقةِ العاطفيّةِ الدّائمة.

لذلكَ فهي تصرُّ أن تستيقظّ كلَّ صباحٍ في الموعدِ المعتادِ للحبّ، تثبتُ جفنيها المثقلتينِ بالشّوق، لعلها تحتفظ قدر المستطاعِ بملامحِ وجههِ التي احترفتِ الاستيلاءَ على أحلامها.
تشرِعُ على عجلٍ نوافذها الإلكترونيّة، قبلَ أن تُعدَّ فنجانَ قهوتها الصّباحي مضاعفَ الأملِ، تفترش موضعها المعتادَ على الجانبِ الآخرِ من الشّاشةِ الجامدة، تعتصرُ الفنجانَ السّاخنَ بكلتا يديها، لعلها تمنحُ بعضاً من الدِّفءِ إلى قلبها، الّذي يكادُ صقيعُ صندوقِ البريدِ الفارغِ أن يصيبهُ بذبحةٍ ثلجيّة.

ساعاتٌ حربيّةٌ مترعةٌ بالمصائبِ تعبرُ بصخبٍ أرجاءَ هذا الوطنِ المتّسعِ من حولها، وهي ترقبُ بعينينِ جامدتينِ كونها الّذي تقلّصَ إلى مقاسِ شاشةٍ إلكترونية، لا شيءَ صاخبٌ فيها إلّا آثارُ بوستاتِ العابرين على حائطِ انتظارها.

- تستفزُّني... ساعتُكِ.
أعلن يومها، وهو ينتزع السّاعة من يدها، بأنّه يغارُّ من التصاقها بمعصمها، وأنّه سيستبدلُ عقاربَ هذه الآلةِ الجامدةِ بنبضِ قلّبهِ المضبوطِ على تنبيهٍ ساعيٍ لموعدٍ مع طيفها.

لم تعدْ تعنيها إشكاليةُ البدايات، أو كيّفَ نجحَ ذاكَ المهندسُ الوسيمُ الّذي انضمَّ إلى فريقِ العملِ في شركتها، مع بدايةِ الازمةِ السوريّةِ بجذّبِ كاملِ انتباهها، فما يعنيها حقاً أنّهُ لم يكتفي فقط باستلابِ قلبها و ساعةِ يديها، إلا أنّهُ نجحَ أيضاً باستلابِ عقاربِ عمرها، وتحويل دقائقهِ إلى رهائنَ انتظارٍ لرسائلٍ غزا بها نوافذها الإلكترونيّةِ بدقّةٍ ساعيّةٍّ غريبة.
السّاعةُ السّابعةُ صباحاً : لاتزالُ العتمةُ تحتلّني... كم يحتاجُ صباحي لبسمةِ الفجّرِ في عينيكِ.
السّاعة التّاسعة: حوريّةٌ من حلمٍ أنتِ .... و أنا بحارٌ مسهُ الولهُ.
السّاعة الثّانية ظهراً: قلبي يرقص طرباً ... حضوركِ.. كرنفالُ فرحٍ ملون.
السّاعة الرّابعة: ياهٍ من فراقكِ... مؤلمٌ حدَّ النّزيف.
السّاعة الخامسة: عطركُ يستلبُ الهواء، و صدري يكادُ يختنقُ شوقاً.
السّاعة الحاديّة عشر ليلاً: شديدةٌ من دونكِ هذه الظلمةِ فهلّا سكنتِ احلامي.

سنتينِ وهي تتلقّى رسائلهُ المتجدّدةِ " كمشاعرهِ " كما اعتادَ دائماً أن يجيّبها كلّما تسألت متعجبةً عن سرِّ هذا التدفقِ اللامتناهي في كلماتها.
سنتينِ من صمودٍ استثنائيٍ لحبٍّ ولدَ في رحمِ الحربِ، وشقَّ طريقهُ إلى قلّبيهما، عبرَ دروبٍ مخضّبةٍ بالحرقةِ والوجع، فأشعلَ الضّوءَ حيث العتمة، و زرعَ الوردَ حيثُ الخرائب.

إلى أن احترقَ المعملُ الّذي ضمَّ حبّهما منذُ عامٍ تقريباً، فأغلقَ في وجّهِ رزقِهما ولقائهما أبوّابهُ المتفحمة، فاحترقتْ معهُ الكلمات، وتفحمت الرّسائل، واغلقت في وجهِ ساعاتِ عمرها أبوابُ السّكينة.
فهل اضمحلّ فعلا ذاك الحبُّ الكبير، أم أن ثوبَ الحربِ الّذي كساهُ منّذُ ولادته، تضخّمَ بفعل تراكمِ طبقاتٍ مضاعفةٍ من القهرِ و الانكساراتِ، فمنح حبّهما هيئتهُ المضخمةُ الاستثنائيّة.

- حبيبتي أنتِ وستبقين لكنَّ الحربَ تنهشُ روحي.
-الزمنُ يغرسُ أنيابهُ في عمري.... وانا أعدو مع الوقتِ في سباقٍ محمومٍ بحثاً عملٍ يسدُّ الرّمق.
- الكآبةُ تستلبُ نبضَ القلبِ منّي ... كيفَ لجائعٍ مثلي أن يعشق.
أعذارٌ و أعذار كم احبّت تصديقها.

فها هو اليومُ ينتهي، ويغلقُ النهارُ أبوابَ الحكايات، ونافذةُ حكايتِها مُشرعةٌ على الخيبة.
فنجانُ الأملِ المضاعفِ فارغٌ، حدَّ الرّشفةِ الأخيرة، وقلبها المحبطُ، ممتلئٌ بالحزنِ حدَّ التّخمة الأخيرة.
تثورُ على أوجاعها تغادرُ جسدها، تتنكّرُ لشرايينها، يستفزّها انتماءُ نبضها الموجعِ إليه.
تحاولُ جاهدةً أن تتقمّص جسداً آخر، بذاكرةٍ عشقيّةٍ جديدة، لا أماكنَ شاغرةً فيها لمقاعدِ الانتظارِ، ولا يستنزفُ حضورها أنينُ الأشواق.

تسدلُ جفنيها المتعبينِ على دمعةٍ حارقة، و تحاولُ أن تغفو وهي تحلِفُ بكلِّ ما أورثها حبّهُ من خيبات،
بأنها لن.... و أنها لن ...
لن تشتاقهُ بعدَ اليوم.... لن تنتظرهُ بعدَ اليوم....لن تنتمي إليه، إلى صوته، إلى يديه، إلى كلماته.
وتعلنُ بأنها ستفرغُ حقائبَ ذاكرتها منه، فكم من الأسّهل أن تكملَ سفرها في هذه الأزمنة الحربيّة و هي تحملُ حقائبَ خاليّةً من الذّاكرة.

لكنها وكعادتِها تستيقظُ في صباحِ اليومِ التّالي في الموعدِ المعتاد للحبّ، فيعودُ إليها نزيفُ أشواقها و تنساها أيمانها المعظمةُ تلك.
تثبّتُ جفنيها المثقلتين بالشوق، على أملّ أن تحتفظَ ببقايا ملامحِ وجههِ،
تشرعُ نوافذها الإلكترونيّة،
تُعدُّ فنجانَ قهوتها مضاعفَ الأمل،
تجلسُ عندَ الحافةِ الأخرى من الشاشةِ الجامدة ............و تنتظر.
رد مع اقتباس
 

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Sponsored Links

جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 02:20 AM.


Powered by vBulletin V3.6.2. Copyright ©2000 - 2019
تصميم الموقع وسام عبد العزيز جميع الحقوق محفوظة, Copyright ©2001 - 2019
المنتدى | الجالري | صفحة الافراح | شبكة زيدل محادثة صوتية صور المناسبات العامة خارطة منتدى سوريا حمص