موقع زيدل الصفحة الرئيسية  

العودة   منتديات زيدل > المنتدى الزيدلي > المنتدى الأدبي > القصص و الروايات المميزة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 18th January 2015, 11:31 AM
مطانيوس ع. سلامة مطانيوس ع. سلامة غير متواجد حالياً
مشرف المنتدى الروحي و السياسي
 
تاريخ التسجيل: Oct 2004
الدولة: زيدل
المشاركات: 898
مطانيوس ع. سلامة
أم عدنان / قصة قصيرة من صور الحياة /

أم عدنان / قصة قصيرة من صور الحياة /
عادل وعامر وسامر أصدقاءٌ ثلاثة يتناولون طعام الغذاء معاً في شرفة بيت أحدهم المطلة على الطريق العام مباشرةً , يتداولون أحاديث مختلفة حول ما يجري في وطنهم الحبيب ولا يعكر صفو جلستهم سوى أصوات رشقات المدفعية المرعبة التي تهز المكان بين الحين والآخر فتصدر عنهم التأوهات وكلمات تقول : إلى متى يا رب وهذه الحال ولا غيرك من يستطع أن ينهي تلك المآسي ويضع حداً لجريان سيل الدماء الزكية , ويقول أحدهم تابعوا تناول الطعام فليس لنا حيلة ولا مقدرة على أي تغيير .
يمعنون النظر بالمارة في الطريق وهم قلة قليلة بالرغم من الطقس الربيعي الجميل وشمسه المعتدلة اللطيفة وهواءه العليل ومثل هذا الطقس يشجع على السيران والتنزه بين البساتين بينما في ظل الظروف الحالية للبلد جعلت غالبية الناس يلتزمون منازلهم ولا يغادرونها إلا في حال الضرورة والمارة الذين يظهرون في الطريق فمعظمهم عائدون من العمل أو ذاهبون إلى الحقول لتنفيذ الأعمال الضرورية وحتى العمال الذين يذهبون إلى العمل خارج القرية يودعون أبناءهم بقبلات حارة لأنهم لا يعلمون المصير الذي ينتظرهم , هل هي رصاصة طائشة تصيبهم أو خطف أو غير ذلك من المفاجآت التي يمكن أن تحصل لهم في ظل الظروف الأمنية الحالية .
ينظر عادل إلى المرأة القادمة التي تسير في الطريق بذهول تام , تترنح في مشيتها وكأنها تكاد أن ترتمي على الأرض كلما سارت عدة خطوات وتكلم نفسها وتهذي وتردد كلمات غير مفهومة , ثيابها رثةّ وشعرها منكوش ووجهها وكأن الماء لم يزره يوماً وبنيتها الضعيفة تسبب الوهن العام لكل جسمها فيتساءل عادل قائلاً : أليست هذه المرأة هي أم عدنان ؟ ويتطلعون نحوها ويقولون سبحان الذي يغيّر ولا يتغير , أم عدنان المرأة المحبوبة من الجميع , المملوءة رقةً وحناناً وكل نساء الحي يتمنون مصاحبتها وزيارتها لطيبة نفسها وكرمها والابتسامة التي لا تفارق محياها , أم عدنان المميزة بحديثها العذب , الطاهرة النقية , التي لا تعرف النميمة ولا الكذب , الصادقة في كل معاملاتها مع الأصدقاء والجيران والمقربين وكل من عرفها من الرجال يتمنى لو كانت زوجته تحمل مواصفاتها من جمال الخلق والأدب والحشمة وحسن المعاملة .
أم عدنان التي رفضت كل عروض الزواج التي قدمت لها بعد وفاة زوجها بحادث سيارة متفرغةً لتربية أولادها الثلاث الذين أصبحوا أمانة في عنقها فسهرت على تربيتهم خير تربية وتفوقوا في تحصيلهم العلمي وتميزوا بعلاقاتهم الجيدة مع الأصدقاء والأقرباء وكانوا مضرب المثل في القرية لتفوقهم ولسلوكهم وسيرتهم الحياتية الطيبة .
أم عدنان تملأ البيت حبوراً وسعادة وفرح , تعزز ثقة أبناءها بأنفسهم وتشجعهم على مزاولة هواياتهم إلى جانب أداء واجباتهم المدرسية فهي لهم بمثابة الأب والأم والمربية والموجهة وحتى المقدسة بالنسبة لهم , تقدم لهم كل ما يلزمهم وطموحها أن تراهم دائماً سعداء وبأحسن حال وهذا هو أملها في الحياة أن تدخل السرور والمرح والسعادة والتفاؤل في نفوسهم والابتسامة لا تفارق محياها وبدون أي تذمر أو شكوى وكبروا الأبناء وحققوا ما كانت ترغبه لهم من التفوق العلمي والسيرة الاجتماعية الجيدة .
سافر الولد الأكبر إلى المهجر ليحسن وضعه المادي وليتمكن من تقديم المساعدة المادية لأخوته الذين أصبحوا في الجامعة وكثرت مصاريفهم وبعد فترة من تخرج الولد الثاني من الجامعة بتفوق دعي لأداء الخدمة الإلزامية وبعد تخرج الولد الأصغر من الجامعة بأربعة أشهر دعي لأداء الخدمة الإلزامية أيضاً وكان أخاه ما زال في الخدمة مُحتفظاً به بسبب الظروف العسكرية للبلد فتغيرت ظروف أم عدنان الحياتية , فبينما كان البيت يعج فرحاً وسروراً بضحكات الأبناء ودردشاتهم وحضورهم الذي يبعث السعادة في قلب الأم التي تنظر إليهم وهم شباب وقد حققوا من العلم أعلى الدرجات ومن التهذيب والسمعة الجيدة ما جعلها تفتخر بهم وبعد سفر الابن الأكبر إلى خارج القطر وأخوته إلى الخدمة العسكرية أصبحت تنتظر الاتصال الهاتفي بفارغ الصبر من أحدٍ منهم ولا يبخلون عليها بالاتصال كلما تمكنوا ذلك والعسكريين تنقطع أخبارهم فترات طويلة أحيانا بسبب الظروف الأمنية مما يزيد قلقها وأخذ الضعف الجسدي يظهر على جسمها وتزداد كل شهر نحولاً وغابت ابتسامتها وأصبحت الهموم تثقل كاهلها ويزورونها الجارات والصديقات والقريبات يخففن عنها بعض مخاوفها ويرددن كلنا لنا أبناء في الخدمة العسكرية وتنقطع أخبارهم أكثر من أشهر أحياناً ونسلم أمرنا لله سبحانه وتعالى فهو الذي يرعاهم وتبتسم لهم ابتسامة صفراء وتردد الحمد لله أصبح لي شباب تخدم الوطن ومن غير الشباب لحماية الوطن الغالي والدفاع عنه وعندما تصبح بمفردها في البيت لا تنظر إلا من الزاوية السوداء التي تزيد القلق والخوف وكلما سمعت صوت سيارة يقترب من باب الدار تركض مسرعةً لتفتح الباب لعل أحد منهم قادم وتعود بالبكاء إلى داخل البيت ومع هذا الخوف الذي تعيشه سمعت قرع جرس باب الدار وركضت مسرعة كما هي العادة وكان أمامه ضابط ومختار القرية وأحد أقاربها وعندما رأتهم وقلب الأم دليلها أدركت غاية حضورهم فسقطت على الأرض فاقدة الوعي وحملوها إلى داخل المنزل واستدعوا طبيب القرية وعندما أفاقت من الغيبوبة بمساعدة الطبيب رأت الدموع في عيني قريبها والجموع الغفيرة داخل وخارج البيت وصرخت مولولةً من هول الفجيعة وأخذن النساء والشباب وغالبية الشعب بالبكاء ورغم هذا المشهد المؤلم تكلم المختار قائلاً : يا أم عدنان سلّمي أمرك لله فهو أعطانا الأبناء وأودعها كأمانة ويستردها متى يشاء والشهيد وأخوته تعرفين مقدار محبتنا الكبيرة لهم ولكن هذه إرادة الله ونحن لها مسلمون فاليوم دور ابنك وغداً ربما دور أبناءنا ويقول الضابط : كان رحمه الله بطلاً شجاعاً وأبدى بسالة ومقاومة كبيرة وقتل الكثيرين من المهاجمين وجاءته قذيفة من بعد أودت بحياته والشهيد حيٌ يرزق في جنان الخلد صحبة الأبرار والصالحين فتصبري يا أم الشهيد وليكن إيمانك بالله قوياً وأم عدنان صامتة ولا تنبس ببنت شفة وتدخّل وجهاء القرية للاستعداد لاستقبال موكب الشهيد الذي سيصل خلال ساعة زمن وذهبوا الشباب لاستقباله خارج القرية وأحضروه محمولاً على أكف الشباب والعسكريين الذين حضروا معه , يزفونه كعريس وسط زغاريد النساء والهتافات والبكاء والعويل وغصّات الألم تعصف بالقلوب وفي الوقت المحدد لإقامة مراسم الصلاة على روحه الطاهرة حضر رجال الدين المسيحي والإسلامي وعدد كبير من الضباط والعسكريين والجماهير من القرى المجاورة وذهبوا إلى ساحة القرية على أنغام موسيقى الكشافة الحزينة لإقامة الصلاة هناك وبعد نهايتها تحدث الخطباء معددين خصاله الحميدة وعن معاني الشهادة والتضحية والدفاع عن الوطن وبعدها واروه الثرى في مقبرة القرية مودعاً بالدموع والحسرات وعادوا إلى بيت العزاء يتبادلون التعازي لأن الشهيد هو شهيد القرية كلها وليس للعائلة فقط بينما قريبات وصديقات أم عدنان يحطن بها من كل جانب ملازمات لها وتناوبوا على البقاء عندها والتخفيف من تأثير الفاجعة عليها .
أم عدنان دائمة الشرود والبكاء والعويل , تطلب من الله أن يجنب ابنها العسكري الآخر هذا المصير الأسود وتزور القبر يومياً صحبة الصديقات والقريبات وتشعل الشموع وتبكي وتبكي حتى يتعب البكاء عنها وتعود إلى المنزل حزينة كئيبة , فتبدلت أحوالها جميعها حيث لفها السواد ليس فقط بلباسها بل بأفكارها وتخيلاتها فعمت التعاسة في كل ركن وزاوية في حياتها وأصبحت نادرة الكلام , لا تتناول الطعام إلا خجلاً من صديقاتها وخيّم الضعف المخيف على جسدها والاصفرار على وجهها وتتمنى الموت كل يوم ألف مرة ولم تمضي ستة أشهرٍ على فاجعتها الأولى إلا وتكررت بابنها العسكري الآخر وبنفس الظروف التي لو سقطت على صخرة عاتية قادرة على تفتيتها فكيف على قلب الأم المنكوبة ففقدت عقلها وأصبحت تكلم نفسها بكلام غير مفهوم وغير مسموع أحياناً وتؤشر بيديها بحركات غريبة وأحياناً تتخيل أبناءها قادمين إليها بثياب العرس فتغني وتضحك وتسير في الشارع بين تطلعات الناس فيرثون لحالها ويحاولون التحدث إليها فتهرب منهم وتذهب إلى المقبرة فيبحثون عنها ويعيدونها إلى البيت مرغمةً والناظر لها أصبح يكاد لا يعرفها , غريبة الأطوار ثيابها رثة وشعرها المنكوش الأشعث وأطوارها الغريبة وخارت قواها حتى باتت لا تقوى على السير بشكل طبيعي فاقدة العقل والاتزان .
وفيما هم يتطلعون إليها وصلت بالقرب منهم وتأملت وجوههم بدون أن تتكلم ولو كلمة واحدة وكأنها تبحث عن أولادها بينهم فأخذت رغيف خبز من أمامهم وقالت سيأكلون أبنائي وتابعت السير باتجاه المقبرة وهي تتمايل وتكاد أن تهوي إلى الأرض وقال أحدهم : لماذا لم يعد ولدها الذي في المهجر ليعتني بها وأجابه آخر انه وبمجرد سماع نبأ استشهاد شقيقه قرر العودة وأنهى كل أعماله وسيصل خلال اليومين القادمين وتساءل أحدهم أن الكثير من العائلات فقدوا مثل ما فقدت أم عدنان وكانوا متماسكين ومسلمين أمرهم إلى الله ورد عليه آخر أن العواطف وقدرة التحمل تختلف من شخص لآخر وخاصة الأمهات ومن المعروف أنه كلما أشتدت العاطفة عن الوضع الطبيعي ضعُف التفكير هذه ما أكدته دراسات علم النفس .
الشمس غابت ومضى على مرور أم عدنان عدة ساعات ولم تعد وهي كالعادة إن لم يعيدها الناس بطريقة ما فإنها لم تعد بمفردها وتنام بجانب القبر وطريق المقبرة الفرعي يخلو من المارة في أغلب الأحيان وحل الظلام فاتفقوا أن يذهبوا يفتشون عنها وعندما اقتربوا من المقبرة لاح لهم شيئاً على الأرض واقتربوا منه وكانت أم عدنان وقد تعثرت قدمها بحجر على الطريق فسقطت على الأرض واصطدم رأسها بحجر أخرى فنزف الكثير من الدماء وفارقت الحياة .

تمت / بقلم مطانيوس سلامة
__________________
الصديق كالوريد يمد القلب بالحياة
رد مع اقتباس

Sponsored Links
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Sponsored Links

جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 12:03 PM.


Powered by vBulletin V3.6.2. Copyright ©2000 - 2019
تصميم الموقع وسام عبد العزيز جميع الحقوق محفوظة, Copyright ©2001 - 2019
المنتدى | الجالري | صفحة الافراح | شبكة زيدل محادثة صوتية صور المناسبات العامة خارطة منتدى سوريا حمص