موقع زيدل الصفحة الرئيسية  

العودة   منتديات زيدل > المنتدى الزيدلي > المنتدى الأدبي > القصص و الروايات المميزة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 1st August 2014, 05:00 AM
ربى عبد الحي ربى عبد الحي غير متواجد حالياً
مشرفة منتدى مما قرأت
 
تاريخ التسجيل: Apr 2014
المشاركات: 108
الجنس: انثى
ربى عبد الحي is on a distinguished road
"المختلف" قصة ساخرة

الجوُّ يعبقُ برائحةٍ واخزةٍ للتوتر و العيونُ المتحفزةُ تفضحُ حدَّةَ الترقُّب.
وعلى الرغم من محاولات الجميع المفضوحة للتظاهر بالهدوء بتبادل كلمات المجاملة المعتادة و طرحِ بعض الأسئلةِ اللَّبِقة للتعرف على مزايا الجار المنافِس، إلّا أنّه بدا من المستحيل على كلّ هذه المحاولات أن تُعيقَ تفشّي حالةَ الترقب القلِق المتنامية مع كلّ ظهورٍ جديد للسكرتيرة لتعلنَ عن اسم التالي على لائحةِ المقابلات.

- سمير المختار ... صاحت السكرتيرة.

تنفّست الصبيةُ المرتبكةُ في الزاويةِ الصعداء، و تناولت حقيبتها لتبحثَ عن مرآتها فما زالَ لديها متسعٌ من الوقتِ لتفقُّد سلامة مظهرها للمرّة الثلاثين و لربّما الأخيرة قبل المقابلة.
وتابع الشابُ الذي يحتلُّ المقعد أمامه تقليبَ صفحات جريدةٍ فنّية بحركاتٍ سريعةٍ تشي بأنّ متصفّحَها يقرأُ كلَّ شيءٍ سواها.

- سمير المختار، أمَا من سمير مختار هنا؟ ... علا صوتُ السكرتيرة.

غاصَ في أفكارهِ المضطربة من جديد ...كم يحتاجُ هذه الوظيفة!
لكنّه مصابٌ سلفاً بالخيبة، فلم يعد يذكرُ عددَ المقابلاتِ التي تقدّمَ إليها منذُ وصولهِ إلى هذهِ البلاد، لتنتهي جميعها بالمصافحةِ والدعواتِ الحارّةِ بالتوفيقِ والصمود .
فلمَ لهذهِ المقابلةِ أن تكونَ مختلفةً معهُ هوَ "المختلف"؟.
صفةٌ أرادت لهُ الحياةُ أن يلتصقَ بها منذ صحواتِ وعيهِ الأولى، فقد كانَ الأخَ الأصغرَ الوحيدَ لأربعةِ من الفتيات، واحتفالاً بقدوم الصبيِّ حامل اسم العائلة فقد قرّرَ الجميعُ بما فيهم أمّه وأبوه وحتّى أعمامه وأخواله أن ينادوه "رجل البيت الصغير"، كم كَرِه هذا اللّقبَ! وكم كَرِه ولادَتَه مصادفةً بهذه الأعضاء الذكورية التي حرمته طوالَ طفولته من مشاركة أخواته ألعابَهنَّ وضحكاتِهنَّ فكيفَ لرجلِ البيت الصغير أن يلعبَ بألعاب الفتياتِ؟ّ! .

ما زالَ يذكرُ جيّداً تلك الحماسةَ التي اعترته عندما قاده والده الأستاذُ الجامعيُّ اليساريُّ -المؤمنُ بشكلٍ قاطعٍ لا يقبلُ المساومة بالتساوي والتعايش المشترك والإخاءِ بين جميعِ المواطنين- للتسجيل في مدرسةٍ عامّةٍ ضارباً بكلّ محاولات زوجته لإقناعه بأفضلية المدرسة الخاصّة لصبّيها الوحيد عُرض الحائط.
ويذكرُ أيضاً جيّداً كيفَ اكتشفَ جميعُ الطلبة اختلافه منذ الأسابيع الأولى، فهو الطالب الوحيد الذي يغادر حصّة الديانة الإسلامية، لذلك فقد لقبوه ب"المسيحي" وقرّروا جميعاً تجنّبه بسبب طائفته هو الذي ولدَ لعائلةٍ تتجنّبُ الحديثَ في الطوائف.

أمّا في الجامعةِ فقد كانَ من أكثر الطلبة تفوقاً، و كم كانَ يتمنّى أن يساعده هذا التميّزُ باكتسابِ الأصدقاءِ، لكنّ جميع زملائه كانوا مقتنعين بأنّ "الواسطة" هي السرّ وراء هذه المعدلاتِ المرتفعةِ فهو ابن الدكتور الأكثر حزماً وشدّة في الجامعة كلّها، لذلك فقد قرروا أن يبتعدوا عنه جميعاً و أصبحت تتردّد في سمعهِ همساتهم .... انتبهوا "المدعوم "

و في قريته الصغيرة المختبئة خلفَ الجبال كان أهل القريةِ فخورين جدّاً بوالده الذي رفعَ اسم القريةِ عالياً بعلمه وأخلاقه ونزاهته لذلكّ فقد كانَ الجميعُ ينادونه باعتزازٍ "ابن الدكتور عادل"

و عندما تزوّج وأطلقَ اسم أبيه كما اقتضتِ العاداتُ والتقاليد على ابنهِ البكر، أصبحَوا جميعهم ينادونهُ بين ليلةٍ وضحاها " أبو عادل"

لكنَ فاجعةَ اختلافه الحقيقية كانت عندما اختطفَ على يد جماعةٍ من المتشدّدين ليمضيَ فيما بينهم شهوراً طوال من التعذيب والمهانة المضاعفة فهو الأسيرُ " الكافر "
إلى أن تمكّنت زوجته من بيعِ كلِّ ما يملك لتفتديه وتستعيدَ زوجاً محطّماً مهزوماً.. قررَ فوراً الهروبَ بعائلتهِ و بما تبقّى في حوزتهِ من مبلغٍ ضئيلٍ إلى بلادٍ أخرى لا تستعر بين جنباتها الحرب .. ولا تراوده في نومه فيها الكوابيس الحربية والداعشية، لتصدمه الحياةُ فوراً بكوابيس يقظةٍ من نوعٍ آخر فهو المفلسُ " اللاجئ المهجّر "

- حسناً يبدو أنّه ما من سمير مختار هنا ...استسلمت السكرتيرة.

عادَ من مراجعة شريط ذاكرته وانتفضَ صائحاً:
- لا لا يا سيّدتي ..... هذا أنا هنا .... سمير المختار.

انتهتِ المقابلةُ كالعادة بالكثير من المصافحة والكثير من الدعوات الحارّة بالتوفيقِ والصمود.

خرجَ ساهماً وكادَ يغادرُ المبنى عندما سمعَ صوتَ السكرتيرة تناديه:
- هيه هيه أنتَ يا "سوري"، أنتَ يا مَن نسيتَ اسمك .
و تابعت مع ابتسامةٌ عابثة:
- احذر فقد نسيت حقيبةَ وثائقك هذه المرّة، كيفَ ستعثرُ على نفسك دونها عندما تضيع.
عندما يضيع ..... عندما يضيع
ومتى لم يكن ضائعاً، فما هو إلّا ذاكَ الكائنُ الحبريُّ الذي ولدَ على هذه الأوراق، لكنّه في الواقعِ ... لم يكن قطّ... و لم يحيا قطّ... فمن كان وعاش حقاً هي مجموعةٌ من الألقابِ استعمرت حياته واستعمرته،
هو المختلف الغريب حتّى عن نفسه.
رد مع اقتباس

Sponsored Links
  #2  
قديم 1st August 2014, 09:23 AM
سالم عبد العزيز سالم عبد العزيز غير متواجد حالياً
عضو متقدم
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
المشاركات: 528
الجنس: ذكر
سالم عبد العزيز is on a distinguished road
خرجَ ساهماً وكادَ يغادرُ المبنى عندما سمعَ صوتَ السكرتيرة تناديه:


صباح الخير

الله

الأدب الساخر من أضعب الألوان الأدبية

أبدعتِ

لي عودة
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 28th November 2014, 04:32 PM
مطانيوس ع. سلامة مطانيوس ع. سلامة غير متواجد حالياً
مشرف المنتدى الروحي و السياسي
 
تاريخ التسجيل: Oct 2004
الدولة: زيدل
المشاركات: 898
مطانيوس ع. سلامة
عزيزتي ربى :
القصة رائعة وتحمل الكثير من آلام الواقع ولماذا نقول مهجّر أو .. أو ... أو غير ذلك , كان الله في عون طالب الوظيفة وليس أكثر من ذلك وشكراً لك .
__________________
الصديق كالوريد يمد القلب بالحياة
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


Sponsored Links

جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 06:07 AM.


Powered by vBulletin V3.6.2. Copyright ©2000 - 2019
تصميم الموقع وسام عبد العزيز جميع الحقوق محفوظة, Copyright ©2001 - 2019
المنتدى | الجالري | صفحة الافراح | شبكة زيدل محادثة صوتية صور المناسبات العامة خارطة منتدى سوريا حمص